يسعى مؤلفو كتاب «مدينتي حلب»، إلى إعطاء فكرة عن أعماق الحياة اليومية لسكان حلب في أدقّ مظاهرها : بُنية حضرية، طريقة حياة وآداب اللياقة التي نمت على مدى قرون، وخضعت لتحولات سريعة، نتيجة تغيّر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ويقولون في هذا السياق: " لا توجد مدينة تزخر بالمآذن والمشربيات والمساجد الأنيقة والقصور الفخمة العريقة مثلها، وسوقها الشعبية، هي من دون شك الأقدم والأطول بين أسواق العالم".
ويسهب المؤلفون في توضيح موقع المدينة، شارحين أنها تقع عند تقاطع البحر المتوسط والشرق، وقد كانت في عهد الامبراطورية العثمانية لعدة قرون، مركز التحكم في مجال التجارة العالمية . وكانت القوافل تصلها من الشرق الأقصى لتفريغ بضائعها، وقصدها التجار الأوروبيون في وقت مبكّر، وفتحوا المكاتب الفرعية التي كان معظمها وسط السوق، وكان الرواد تجار البندقية الذين أنشؤوا ممثلية لهم في حلب عام 1548، ثم تبعهم الأوروبيون من مختلف الأجناس، وغالباً ما رافق ذلك تشييد الخانات والقصور الفخمة.
ويتطرق الباحثون في فصول كتابهم، إلى فنون تصميم البيت الحلبي، مبينين أن الاهتمام الرئيسي في حلب ينصب على ارتفاع البيت، والأقبية في الزوايا، وكذلك على الإيوان الواقع في منتصف الفناء الذي يستخدم للاستقبال والجلوس في الخارج تحت قبته، والذي يمنح سيد البيت مكانة ملوكية.
وكثيراً ما يكون جانب آخر من الفناء جزءاً من القاعة، قاعة تشبه الفناء المغطى وهي بمثابة منزل في المنزل تستخدم لحفلات الاستقبال الرسمية. والنافذة الحقيقية للمنزل هي "عيون السماء"، حيث تتوجّه جميع الأبصار في الليل والسكون. ويكون نسق الغرف حول وسط البيت، وغالباً ما توجد بركة ماء، والمحور العمودي للضوء الساقط من الأعلى والمنتشر في الأسفل يجعل نسق الغرف متجانساً ومستقراً .
ويفرد الكتاب، مساحة مهمة للحديث عن تعايش الأفراد من مختلف الأديان والإثنيات في حلب، إذ يوضح مؤلفوه أنه عاش في حلب المسلمون والمسيحيون واليهود، منذ الأزل، وأيضاً تجار من البندقية وهولندا ومن انجلترا ومن فرنسا. فكان لهم نشاط تجاري فيها، وهنا حكم الحثيون والفرس والعرب، وكذلك الرومان والعثمانيون، واحتلها الإسكندر الكبير. كما حاول المغول والصليبيون ذلك عبثاً، وترك الجميع بصماتهم وخلفوا آثارهم فيها.
ويشرح مؤلفو الكتاب، ماهية توزع محال المدينة، وطقوس ومساقات أشكال التجارة فيها، مشيرين إلى أنه في سوق المدينة يتمّ تصنيف المحلات التجارية وفقاً لمعروضاتها، ففي أحد الأزقة تلتمع شبابيك العرض عند الصاغة، وتجار الأقمشة يرتدون الألبسة الفاخرة ويبيعون البروكار الدمشقي المرغوب وأقمشة حرير ملونة والجوخ الإنجليزي.
وفي زقاق تفوح الروائح من محلات التوابل التي تبيع القرنفل والهال والزنجبيل اليابس في أكياس ضخمة، كما تبيع محال أخرى صابون زيت الزيتون الحلبي الشهير، ويمكن ملاحظته وهو مكدس على شكل أبراج، ويكون ممهوراً بختم المصنع "صابون غار ". وفي الزقاق الثاني هناك حبال معلقة، وصنارات وبكرات من جميع الأحجام. كما يغفو التجار تحت الضوء الخافت والرائحة الطيبة.
توجد الحمّامات الأكثر شعبية والتي تجتمع فيها النساء من أماكن بعيدة، في حلب القديمة، وإذا جلسن قرب بعضهن، فإنهن يدخلن في أحاديث خاصة، رغم عدم معرفتهن ببعضهن البعض من قبل ، وعندما تقيم نساء من عائلات مختلفة حفلة في الحمام العام، فإنهن يصحبن جميع الإناث في تلك العائلة، وغالباً ما تتم مراقبة وفحص الفتيات الجميلات اللواتي أدركن سن البلوغ من أجل الخطبة والزواج، كما أنهن يأخذن الفواكه والحلويات والمشروبات معهن إلى الحمام. ويتطرق الباحثون إلى ماهية أزياء المرأة الحلبية في هذا الخصوص، إذ إنه ترتدي النسوة لباساً مخصصاً للحمام، يتألف من فوطة تلفّ حول الخصر "مئزر"، تغطيهن تماماً من الصدر وحتى الأسفل.
ويتحدث الكتاب عن السوق في حلب، والتي بنيت في العصر الوسيط، وتشكل قلب المدينة، موضحاً أنها تموج بالحركة وتغلي، وهنا تصادف صباغي الصوف والنجارين وصانعي المراجل وتجارة الأقمشة في متاهة من الشوارع المتعرجة التي تصب عند بوابات ضخمة لخانات عدة ما زالت باقية. كما يوجد في حلب العديد من الحجارة التي تحكي لنا قصص المدينة.
ويقول نهاد سيريس الروائي المعروف في المدينة: "هناك علاقة حميمة بين الشيوخ والطرب، فقد كان أكثر أصحاب الأصوات الجميلة من الشيوخ، مثل الشيخ عمر البطش وبكري كردي وصبري مدلل. كما أن الشيوخ الأفاضل هؤلاء كانوا مدرسة كاملة في الطرب.
ولن يُعرف أي مطرب، مهما كان، إن لم يمّر أمام هؤلاء الشيوخ بنجاح ويعترفوا به وبصوته، مثل صوت بكري الكردي وهو يؤدي "ابعتلي جواب وطمني" التي ما تزال حية حتى الآن، رغم مرور خمسين عاماً على تلحينها".
الكتاب: مدينتي حلب
تأليف: مجموعة من المؤلفين الحلبيين والألمان
الناشر: رابطة المغتربين السوريين ألمانيا 2011
الصفحات: 288 صفحة
القطع: الكبير
