ارتبط تاريخ بعض المدن، باسم بعض من قاموا بتصميم مبانيها وتنفيذها. ومن هذه المدينة شيكاغو الأميركية، التي قدّم المهندس المعماري هنري ايف كوب (1859-1931)، أحد أجمل فصولها، على صعيد البناء والهندسة المعمارية، خلال السنوات الأخيرة، من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين. وهذا ما يشرحه أستاذ تاريخ العمارة في كتاب يحمل عنوان «شيكاغو، كما صممها هنري ايف كوب».
ويتم تقديم كوب على أنه أحد المصممين الرئيسيين، هذا إذا لم يكن المصمم الرئيسي لمباني القطاع الخاص والمؤسسات العامة التي لا تزال تشكل أحد مصادر الثراء الكبرى في التراث العمراني الاستثنائي لمدينة شيكاغو. والإشارة الى أن هذا التراث هو من الأكثر جمالا وحداثة، في تاريخ المدينة كله، ومن بين الأبنية الشهيرة التي ساهم في بنائها جامعة شيكاغو، والتي يتم توصيفها على أنها دليل على النضج العمراني للمدينة.
ويقدم المؤلف المهندس الأشهر في تراث البناء لشيكاغو هنري ايف كوب، أنه أحد أكثر المهندسين المعماريين نفوذا في شيكاغو في حقبته. وهو يستعرض على مدى الأقسام الثلاثة التي يتألف منها الكتاب تأريخا للمدينة، على الصعيد المعماري قبل كوب وبعده. ويجري الحديث أيضا عن السياسة الثقافية التي تمّ تبنيها من السلطات المختصّة.
وكانت السمة الأساسية فيها، البحث عن قدر أكبر من العقلانية على الصعيد المعماري، بحيث تتم الاستجابة للمطالب الاجتماعية المستجدّة. إن بناء العمارات الشاهقة «ناطحات السحاب» العديدة التي رأت النور في مدينة شيكاغو، لم يكن بعيدا عن مثل ذلك التوجّه.
ويركز المؤلف في توصيفه للمدينة، على أنها عقدة مواصلات مهمة برا وجوا، حيث انها مزوّدة بمطارين دوليين. أما شهرتها الثقافية الكبيرة فتعود بالدرجة الأولى إلى شهرتها في سياق الهندسة المعمارية التي تشكل عاملا أساسيا في جذب ملايين السائحين الذين يقصدون المدينة كل عام.
ويتوقف المؤلف طويلا عند محطة أساسية في تاريخ المدينة، تتمثل في الحريق الكبير الذي عرفته شيكاغو خلال شهر أكتوبر من العام 1871م. وذلك الحريق حوّل إلى رماد مساحات كبيرة من المدينة، خاصة أن قسما كبيرا من مبانيها كان أُشيد بمواد خشبية، مما سهّل انتشار النيران سريعا وبقوة أكبر. وكانت حصيلة ذلك الحريق، تدمير أكثر من 18000 منزل، ليجد الآلاف أنفسهم بلا مأوى على قارعة الطريق.
وبعد ذلك الحريق مباشرة، عرفت المدينة نهضة عمرانية كبيرة واكبت ما يسمى بالثورة الصناعية الثانية. وكان أحد المظاهر الأساسية الكبرى لذلك النهوض، الشروع في عملية إعادة تعمير ما كان دمّره الحريق. وتطلّب تحسين كبير في شبكة الخطوط الحديدية السعي إلى جلب الحديد الضروري للبناء. وفي تلك الفترة عرفت المدينة أيضا، قدوم أفواج من المهاجرين الباحثين عن فرص عمل. وكانت النتيجة المباشرة لتلك الحركة، تزايد الضغط من أجل الحصول على السكن. كما ان غالبية كبرى من أولئك المهاجرين هي من الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية ـ السود، الذين قدموا من جنوب البلاد.
وهكذا عرفت شيكاغو حركة توسع عمراني كبيرة، وبذلك كان هنري ايف كوب، أحد الروّاد الذين ساهموا في النهوض بها خلال فترة قصيرة نسبيا. ويتم الحديث في هذا السياق عن الآثار الاجتماعية التي نجمت عن زيادة عدد سكان مدينة شيكاغو، وتوسع طيف تنوعهم العرقي. وذلك أن توسع المدينة وتصنيعها، ترافق مع وجود تميز طبقي كبير بين الأكثر ثراء «من البيض» في الشمال، والأكثر فقرا «من السود بأغلبيتهم الساحقة» في القسم الجنوبي من شيكاغو. وخلال ثلاثة عقود من الزمن، امتدت من عام 1870، وحتى 1900 عرفت شيكاغو النمو السكاني الأكثر سرعة في الولايات المتحدة كلها.
حيث وصل عدد سكانها إلى حوالي 1.7 مليون نسمة. وبرزت في الوقت نفسه، ظاهرة وجود عصابات عديدة، تقاسمت فيما بينها النفوذ في المدينة. وهذا إلى درجة أن شيكاغو أصبحت بمثابة عاصمة الجريمة المنظّمة في أميركا. وليس الأقل شهرة بين مجموعات الجريمة المنظّمة، تلك التي كانت تابعة لآل كابوني. وما يؤكده المؤلف، أن مظهر المدينة تغيّر بصورة عميقة خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، والأولى من القرن العشرين.
كما أن شيكاغو كانت على الصعيد الثقافي «مختبرا للأفكار الجديدة». وكانت مساهمات المهندس المعماري هنري ايف كوب ذات أهمية مركزية في تبني معايير حديثة للبناء، في إطار حركة معمارية عُرفت بتسمية المدينة الجميلة. وفي تلك الفترة بني متحف العلوم والصناعة في حي هايد بارك. كذلك ازدهرت في السياق نفسه: مدرسة شيكاغو للهندسة المعمارية، التي عرفت شهرة عالمية. وإلى جانب كوب كانت هناك مساهمات عمرانية أخرى، في مقدمتها ما عُرف بخطة شيكاغو في العام 1909، والتي أعدها المهندس المعماري دانييل بورنهام.
وكان هدفها الرئيسي إعادة تعمير وسط المدينة. وأصبحت شيكاغو ذات نمط معماري؛ استلهم منه وعكس إلى حد كبير تاريخ الهندسة المعمارية الأميركية. كما ان بعض الأبنية التي ساهم هنري ايف كوب في بنائها، بمشاركة آخرين، ومنهم مهندسون معماريون أجانب، أصبحت معروفة في العالم أجمع. ومن بينها متحف التاريخ الطبيعي والمركز الثقافي لمدينة شيكاغو ومعهد شيكاغو للفن الحديث والعديد من الكنائس.
ومن أهم السمات التي يتم التأكيد عليها في الهندسة المعمارية لشيكاغو، تنوعها الكبير. ولكن تبقى ناطحات السحاب أحد أكبر التجديدات التي انطلقت من شيكاغو كي يتم تعميمها في مختلف الولايات الأميركية.
الكتاب: شيكاغو
تأليف: ادوارد دبليو وولنر
الناشر: جامعة شيكاغو2011
الصفحات: 400 صفحة
القطع : المتوسط
Chicago
Edward W. Wolner
Chicago University Press- 2011
400 pp.
