يستهل الباحث حميد الحداد، فصول كتابه«السلطة رالعنف في الغرب الإسلامي» ، مبيناً أن المتأمل لتاريخ العنف يجد أن للعقاب شكلاً مادياً وآخر يتمثل بأنه معنوي.

وكذلك فإن السجن مؤسسة عقابية يُتوخى منهاـ حسب فوكوـ إعادة تأهيل السجين لإدماجه بالمجتمع من جديد، مثلما يراد منه الانتقام والخضوع في أحيان أخرى. فالسجن كمظهر من مظاهر العنف يتعرض فيه الإنسان لمختلف أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وإن تباينت الأهداف وتعددت الأساليب واختلفت العصور.

ويتوقف الحداد مطولاً عند أنواع السجون والتعذيب وأساليب العنف في بلاد الغرب الإسلامي، ليجد أن بعض العلماء المسلمين رأوا أن السجن يجب أن يصنف فيه المحبوسون كل حسب جريمته التي ارتكبها، فهناك سجون خاصة هي عبارة عن أماكن للإقامة الإجبارية، مخصصة للأشراف تتوافر فيها وسائل الراحة والامتيازات المتعددة، مثل الزيارات وحرية الاتصال، وهناك أيضاً سجون عامة من الدرجة الثانية من حيث ضيق المساحة وارتفاع نسبة الكثافة مع قلة النظافة وحالة سيئة من الفوضى. وكذلك من قلة الطعام وسوء الغذاء والحرمان من الزيارة.

ويتوقف المؤلف عند "الأسباب المؤدية إلى السجن" ليتوصل إلى أن أهم تلك الأسباب هي الأسباب السياسية، إذ إن سياسة كم الأفواه التي اعتمدها الكثير من الحكام والخلفاء، كانت واسعة الانتشار، فمثل هؤلاء الحكام لم يعتمدوا في تصرفاتهم على الإقناع، بل على فرض أفكارهم على الآخرين، وهناك أسباب اقتصادية ترتبط بخيانة الأمانة واستغلال المنصب، إذ مارس الشيوخ الموحدون، سياسة الابتزاز المالي على نطاق واسع.

وفي حديثه عن "طبقات السجناء " يقول الحداد، إن أهم تلك الطبقات، طبقة الحكام والأسرة الحاكمة، وذلك نتيجة الصراع على السلطة، إذ لم تكن حياة البلاط في أي زمان أو مكان، مستقرة. ومن طبقات السجناء أيضاً، الوزراء والفقهاء والقضاة والولاة والقادة الشيوخ والشعراء والمتصوفة، الأمر الذي يكشف عمق الصراعات السياسية .

والسجون في بلاد الغرب الإسلامي، كانت تعاني من تدني الشروط الإنسانية، حيث تميزت بافتقارها إلى أبسط وسائل الراحة، فقد تكون في سراديب تحت الأرض أو قلاع حصينة، كما كانت تعاني من وجود كائنات حية مختلفة، مثل الغربان والعقارب، مما يزيد في رهبة السجن.

وفي توصيفه للتعذيب يقول المؤلف، انه إذا كان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، لم يشأ أن ينال السجناء أي مكروه أو تعذيب، إلا أنه كانت تحدث تجاوزات تعرض لها السجناء، مثل القيد والتشهير والتعذيب القاسي والوفاة داخل السجن. وفي تناوله لقضية القتل في الإسلام، يجد أن القتل في الشريعة الإسلامية يعتبر من الكبائر.

ولذلك قُررت فيه عقوبة القصاص، في حال العمد، وذلك مراعاة لطبيعة النفس البشرية، وللمقتولين من طبقات، أهمها: الأسر الحاكمة والوزراء والكتّاب والقضاة والفقهاء المتصوفة والمختلفون مذهبياً. وأيضا الشعراء والولاة والقواد وكبار الموظفين والأعيان والعامة والأطفال.

وبحث المؤلف الحداد، في موضوعة الاغتيال، إذ يقول إن السبب الرئيس للاغتيال، مرتبط بالعامل السياسي للتخلص من المنافسين. ويكون الاغتيال بالسكين والخنجر والرمح والسيف. وأما التسميم فيقول الباحث، إنه مورس في العهد الطائفي والمرابطي والموحدي، ضد بعض العناصر التي كان لها وزن في الدولة، وللتسميم أنواع، كالسم عبر الطعام والخمر. وأما القتل خنقاً فيكون بمنع خروج النفس بحبل، أو اليدين أو الوسائد.

وأما عن عقوبة الصلب وحز الرؤوس وتعليقها، فهي عقوبة من التراث المغربي القديم، حيث مورست في العصر الوسيط، وذلك للتهديد والوعيد في زمن الفتن، وخص بها من تحدثه نفسه أن يقوم بثورة. وقد مورس هذا النوع من القتل في طبقات خاصة، مثل: الأسرة الحاكمة والوزراء والولاة والشعراء. وكذلك مع طبقة الثوار .أما القتل عن طريق الصلب، فخصص لقاطع الطريق ويكون إذا قتل وأخذ المال. وكذلك يتعرض له الثائر والمعارض.

وفي ما يخص موضوع العبث بالأجساد والجثث، فقد هدفت تلك العمليات إلى الإيلام والتعذيب، إذ يرى فوكو، أنه لكي تكون العقوبة تعذيباً يجب أن تحدث كمية من الوجع، ومن أنواعه: الطواف بالأجساد والجثث.

وهذا النوع من التعذيب كثر استخدامه في العصور الوسطى، ومن أشكاله جز اللحية والرأس، إذ ارتبط هذا النوع بالتشهير بغية الانتقام. ولا يفوت الحداد أن يحدثنا عن أنواع من التعذيب الوحشي، مثل قطع اليدين وقطع اللسان، وفقء العينين والإحراق.

 

الكتاب: السلطة والعنف في الغرب الإسلامي

تأليف: د . حميد الحداد

الناشر: النايا للدراسات والنشر والتوزيع دمشق 2011

الصفحات: 364 صفحة

القطع: المتوسط