لا تغفل مؤلفة الكتاب، الباحثة الإيطالية، أن تشير، بدءا من فقرات استهلالها موضوعات البحث في مقدمة كتابها، إلى خبرتها الشخصية بالعالم العربي، لافتة الى أن هناك طابورا من العرب غير المرئيين، الذين لا يعرفهم الغرب، كما لو أن إدوارد سعيد لم يكتب كتابه الشهير (الاستشراق) قبل أكثر من ربع قرن.
ومن ثم توضح كاريدي، أن الإسلام ثري وغني ومتسامح، ولكن ما يتم تقديمه الآن، من صور متنوعة، تفيد بحشره في زاوية أنه الإسلام المعادي للغرب وللمسيحية، ذلك الإسلام الذي يتبع نظريات الحملات الصليبية البالية في العداء وإسلام القاعدة والإسلام السياسي الأكثر أصولية.
وهذا بينما ظل خافيا عن أعين الغالبية في الغرب، تلك الصور الثرية عن العالم العربي المتعدد. وترجع المؤلفة السبب في ذلك، إلى غياب الصورة الإيجابية للشرق المسلم عن أعين الغرب المسيحي أو اللاديني.
يتضمن الكتاب ما يمكن قراءته بوصفه نبوءات للثورات التي شهدتها مصر وتونس، إذ يضم فصولا كتبت بطريقة التحقيقات الصحافية التي تعالج عدة موضوعات، منها مثلا قضية الحجاب، إذ تحلل المؤلفة خلفيات ظهور بعض مذيعات قناة الجزيرة بالحجاب وبعض نجمات السينما المصرية، وعلى رأسهن حنان ترك، وتربط الحجاب بالخلفيات الثقافية والدينية في المجتمعات العربية.
ومن الحجاب إلى السياسة، تفرد المؤلفة فصلا عن حركة كفاية المصرية، وعن حركة التدوين السياسي والفضاء الافتراضي للمعارضة السياسية في مصر. وفي تونس التي تحظى بمكانة خاصة في الكتاب؛ إذ خصصت المؤلفة مساحة كبيرة لتناول أثر الإنترنت في تغيير المزاج السياسي للشباب التونسي، لافتة إلى مغزى تحول الشباب التونسي إلى أبناء متمردين بعد أن ذاقوا طعم الحرية الإلكترونية،.
كذلك يتضمن الكتاب فصلا خاصا عن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، الذي التقت المؤلفة به حين كان قياديا في حركة الإخوان المسلمين، وتناقش في فصول الكتاب الأخرى الكثير من القضايا المثارة الآن بشأن المستقبل السياسي لمصر، وموقع قوى الإسلام السياسي في داخله والجدل الدائر بشأن إمكانية التوافق بين مختلف القوى السياسية، حول علمانية الدولة المصرية.
وترى الكاتبة أن التحالف بين العلمانيين والإسلاميين، والذي يبدو مستحيلا في نظر الغرب بعد الحادي عشر من سبتمبر، يبدو في نظر العرب أقل غرابة. وهذا شيء يمكن تقبله، بل إنه وكما تقول الكاتبة، جزء من نقاش مستمر منذ سنوات عدة، يتجاهله الغرب المهتم فقط بالمعركة ضد كيان غير واضح المعالم، سمي الإرهاب الإسلامي.
تزخر مقدمة الكتاب، التي كتبها الأديب والروائي الدكتور علاء الأسواني، بكم كبير من التحليلات المجدية في شأن الموضوع المطروق، إذ يلفت فيها الأسواني، إلى الفرق بين صورة العرب في أميركا وصورتهم في أوروبا.
وسرد فيها بعضا من خبراته الشخصية في السفر إلى بلدان عديدة، حيث انتبه للمرة الأولى إلى أن الصور النمطية من أي نوع كانت، من الممكن أن تكون مريحة للغاية، لأنها تمنح تصورا سابق التجهيز للعالم، وتمنح موقفا واضحا دون الحاجة إلى تفكير، وبالتالي تكوين صورة عن الآخر.
وأرجع صاحب عمارة يعقوبيان، في المقدمة، وبحسب خبرته الشخصية، أرجع سبب عملية التزييف الكبيرة، للصور النمطية التي تحكي عن الآخر دون اعتبار لإنسانيته.
كما رد سبب استمرار الغرب في اعتماده الصور النمطية عن العرب، إلى وجود أقلية في الغرب ضد العرب، وإلى وجود الرقابة بمختلف أنواعها.
الكتاب: عرب لا نراهم العرب الذين لا نعرفهم.. أولئك الذين ليسوا إرهابيين
تأليف: باولا كاريدي ترجمة: مروة علي فوزي
تقديم: علاء الأسواني
الناشر: المركز القومي
للترجمة القاهرة 2011
الصفحات: 170 صفحة
القطع: الكبير
