يعود المؤرخ الأميركي، جوناتان جيل، في هذا الكتاب، إلى الحديث عن حي "هارلم" النيويوركي الشهير، إلى ما قبل 400 سنة، منذ أن كان فرية هولندية، وحتى أصبح العاصمة "السوداء" للولايات المتحدة الأميركية. إن مؤلف الكتاب يغوص عميقاً في تاريخ هارلم، كي يذكّر قارئه أن في ماضي هذا الحي ما يدعو إلى الاعتزاز والتكريم.
ولكن أيضاً ما يدعو إلى الأسف والحزن. ولا يتردد في القول إنه "أحد أكثر أحياء أميركا دلالة وتعبيراً عن التاريخ الأميركي، وأن المساهمات التي قدّمها، على الأصعدة الاجتماعية والأدبية والفنية، ضخمة وتستحق التقدير". وفي فترة ما بعد الحرب الأهلية الأميركية، كان هارلم موقعاً تجري فيه سباقات الخيل والرياضات المختلفة وواحة للمشاهد الطبيعية الجميلة والغابات البكر.
وفي سنوات هارلم الأولى كانت التوترات والنزاعات شديدة بين المستوطنين "الهولنديين"، وأبناء البلاد الأصليين، إذ قام الطرفان بتصفيات وحشية. بعد انتصار ثورة جورج واشنطن، كانت منطقة هارلم "مهجورة تماماً بعد أن غادرها الأميركيون ودمّرها البريطانيون". ومع نهوض مانهاتن المجاورة وازدهارها، أحسّت سكان هارلم أنهم بمثابة "الأهل الفقراء". ثم بعد أن بدأ الاهتمام بها، أحسّوا أنهم تحت رحمة الأكثر قوة، من بشر ومؤسسات المنطقة الواقعة جنوبهم.
إن المؤلف يعتمد في تأريخه لحي هارلم على كمية كبيرة من الوثائق منذ الأيام الأولى للاستعمار الهولندي، وحتى فترة الازدهار الكبير التي عرفها حي هارلم في القرن العشرين، وخاصة عندما أصبح أحد أهم معاقل الأدب والفن والموسيقى. هذا ما يعبّر عنه الشاعر الجامايكي كلود ماككاي عندما تذكّر مروره للمرة الأولى في الحي عام 1917.
ويقول عنه: "هارلم كان أول ردّ فعل إيجابي عرفته عن الحياة الأميركية. لقد أحسست وكأنني أدخل إلى فردوس شعبي". كان هارلم في البداية، مجرد قرية هولندية صغيرة، ثم دبت فيه دماء البورجوازية شيئاً فشيئاً. وزخر بالفنادق والكنائس والنوادي والمتاجر الكبرى التي يقدم المؤلف توصيفاً لها. ويبدو بعض الأحيان كمرشد سياحي.
لكن دون الاكتفاء بالحديث عما هو قائم اليوم، بل يعود إلى الفترات السابقة والأكثر جهلاً بها تاريخ هارلم. ولا يكتفي مؤلف هذا الكتاب بالحديث عن الأماكن ولكنه يقدم تأريخاً مفصّلاً ودقيقاً لموجات الهجرة المتتالية إلى الحي.
لكن هارلم أصبح عبر مسيرته التاريخية معقلاً للأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، السود بعد أن غادره القسم الأكبر من المهاجرين اليهود، وبعدهم المهاجرون الإيطاليون. لكن في كل الحالات أخذ حي هارلم مكانة خاصة في الثقافة الأميركية عامة. ويشرح المؤلف أن هذا الحي الذي بدأ فقيراً في أحد الضواحي الصغيرة المحيطية كان دائماً في قلب تاريخ منطقته ثم في تاريخ البلاد كلها.
إن تاريخ هارلم، كما يقدمه المؤلف، هو في واقع الأمر تاريخ متعدد الوجوه منذ الهجرات الأولى وحياة البؤس والفقر وحتى فترة النهوض مع نيل السود حقوقهم المدنية. لكن المؤلف يؤكد على أن تعدد الوجوه تزامن مع أشكال من الاستمرارية القائمة على الجمع بين مظاهر التهميش الاقتصادي والعنصري. والقدرة على الإبداع والتجديد.
هذا مع الإشارة أنه يمكن اعتبار أن عدة أجيال من سكان هارلم السود عاشت كمهاجرين فيما هو أبعد من تحديداتهم اللونية والعنصرية.
وما يتم التأكيد عليه بأشكال مختلفة هو أن هارلم لعب تاريخياً دور العاصمة الفعلية لأميركا السوداء. لكن تاريخ هذا الحي أكبر بكثير من مجرّد أنها عاصمة أميركا السوداء، كما يشرح المؤلف. وخلال القرنين التاليين أصبحت منطقة هارلم منتجعاً لأثرياء جنوب مانهاتن.
حيث حولوها إلى منطقة عمرانية سكنتها واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في العالم، آنذاك. لكن حي هارلم أصبح منذ بداية القرن العشرين بمثابة القلب الحقيقي للأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، من السود.ويشير المؤلف أنه إذا كان حي هارلم قد أصبح ذا هوية سوداء منذ مطلع القرن العشرين، فإنه كان هناك حضور أسود من أحرار وعبيد منذ ثلاثينات القرن السابع عشر.
ويدل إحصاء عام 1703 أنه كان يوجد في شمال مانهاتن 33 رجلاً أسود و13 امرأة سوداء و27 طفلاً أسود. لكن في عام 1880. كان هناك تاجر بناء مختص بتجارة المساكن والشقق للسود. كانت تلك هي مجرد بداية الحضور الأسود. ثم تتالت الهجرات والأزمات، خاصة في فترة الكساد الكبير، في نهايات عشرينات القرن الماضي عندما كان سكان هارلم على حافة المجاعة.
إن حي هارلم، كما يقدمه المؤلف، يبقى بوتقة القرن العشرين الإفريقي الأميركي للفنون وللازدهار الفكري والثقافي. وتقول جملة في الكتاب: "كان السود يريدون الذهاب إلى هارلم، بالطريقة التي كان الموتى يريدون فيها الذهاب إلى السماء".
الكتاب: هارلم
تأليف: جوناتان جيل
الناشر: غروف برس
اتلانتيك مونتلي نيويورك 2011
الصفحات: 448 صفحة
القطع: المتوسط
Harlem
Jonathan Gill
Transaction Publisher- New York- 2011
448 p.
