كُتب الكثير خلال الأعوام القليلة الماضية عن سيطرة أوروبا على مخاوفها الكبرى. وقيل بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، ان القارة القديمة قد انتهت، بفضل "اليورو"، من النزعات الأنانية ذات الطابع المحلي، وإن الدول أصبحت هي صاحبة اليد العليا على الأسواق المالية، وتحدث كُثر عن أن السياسات الاقتصادية الأوروبية.

وجدت "الردود المناسبة" على حالات الكساد. ولكن في مواجهة هذا كله، يجد الأوروبيون أنفسهم في مواجهة "استيقاظ الوساوس"، كما جاء في عنوان الأستاذ الجامعي، والاقتصادي الفرنسي "جان بيزاني- فيري" الذي يكرّسه لدراسته "أزمة اليورو وكيفية خروجنا منها". هذا على أساس أنه رغم كل ما قيل عن النهوض الأوروبي، فإن "عواصف شديدة تهب على منطقة اليورو منذ عامين" خاصة.

ويذهب المؤلف إلى القول إنه ما كان قد بدأ كأزمة عادية في اقتصاد بلد أوروبي بعيد عن المركز وذي وزن متواضع على صعيد الاقتصاد في القارة مثل اليونان قد عادت أعراضه للظهور في بلدان أخرى مثل إيطاليا واسبانيا. وهذا ما يجد فيه المؤلف خطرا حقيقيا قد يهدد منطقة "اليورو" كلها بالانهيار.

ويوضح ذلك في الإجابة عن بعض الأسئلة التالية: هل لا تزال النجاة ممكنة من العاصفة التي تهب رياحها؟ وهل سينبغي على بعض البلدان التخلي عن العملة الأوروبية الموحّدة؟ وما هو ثمن ذلك؟ وهل ستفقد البلدان الأوروبية استقلالها الذاتي فيما يخص مسألة الميزانية؟ وهل ألمانيا هي بصدد فرض سلطتها على القارة الأوروبية كلها؟

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية، يحمل الأول عنوان "الحد الأدنى من اليوتوبيا" والثاني: "أزمات معلنة، وأزمات غير منتظرة" بينما يطرح المؤلف في عنوان القسم الثالث والأخير السؤال التالي: ما العمل؟ تجدر الإشارة أن كل قسم من هذه الأقسام يحتوي على ثلاثة فصول.

ويشرح المؤلف أن الأزمة الكبيرة التي تواجهها العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" تعود بالدرجة الأولى إلى "الأخطاء في مفهومه نفسه". ذلك أن الأوروبيين عندما اعتمدوا "اليورو" كعملة موحّدة تبنّوا فكرة مفادها أن هذه العملة الجديدة سوف تخلق دينامية جديدة للتكامل الأوروبي.

لكن الواقع كذّب ذلك فيما بعد، بل إن الآثار كانت عكسية بالنسبة لتعزيز لحمة الاتحاد الأوروبي. إن البلدان الأوروبية الداخلة في منطقة اليورو بذلت في الفترة الأولى جهودا كبيرة من أجل الانخراط في دائرة الدول المتعاملة فيه، لكن سرعان ما برزت فيها النزعات التي تؤكد على السيادة الوطنية. ورفضت بالتالي تقديم الكثير من الجهود في مشاريع استثمارية أوروبية موحدة ومتناسقة.

والنتيجة المباشرة لتوجهات الدول الأوروبية ذات الطابع "السيادي" وليس "الأوروبي المشترك" كانت أن "اليورو" قد أصبح محروما من المشاريع الكبرى التي تصب في فائدة الجميع. أصبح "عملة دون دولة" بحيث إنه أصبح فاعلًا على الصعيد الخارجي، على غرار العملة الذهبية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، بينما ظل متواضع الفعالية على الصعيد الداخلي الأوروبي.

وبالتالي على الصعيد الداخلي في بلدان منطقة اليورو. وضمن نفس النهج من التحليل يجدد المؤلف القول إن اليورو لم يكن بمثابة عنصر أساسي في قيام هوية أوروبية مشتركة. ثم إن البنك المركزي الأوروبي، وعلى عكس البنوك الوطنية في البلدان الأوروبي، لم يعد يستطيع، أو لم يعد يريد، أن يلعب دور ضامن مؤسسة التأمين حيال مخاطر المضاربات التي تدفع بعض البلدان إلى الوقوع في "فخ" عدم القدرة على سداد الديون.

وهكذا مثلاً نجد أن المملكة المتحدة، بريطانيا، تتحمل كمية أكبر من الديون وتعاني عجزا أكبر من اسبانيا، لكنها تستفيد من القروض بفائدة 2 بالمائة مقابل فائدة تقارب الـ6 بالمائة بالنسبة لاسبانيا. هذا يعود لكون أن الأسواق المالية تدرك استعداد البنك البريطاني للتدخل بطريقة غير محدودة لمنع معدل الفائدة من تجاوز عتبة ما، بينما أن البنك المركزي الأوروبي لا يلعب الدور نفسه من أجل نفس دور "الضمان" بالنسبة لاسبانيا وإيطاليا. والإشارة أن تدخلاته في الأسواق تبدو دائما "غير مقروءة" وأكثر من ذلك "غير فعالة".لكن ما العمل؟ كما جاء في عنوان القسم الثالث من الكتاب.

إن المؤلف يقترح عدة إصلاحات لها علاقة بالقطاع المصرفي الأوروبي. لكنه يرى أن الإجراء الأكثر فاعلية، خاصة من خلال قيمته "الرمزية" هو إصدار نوع من "السندات الأوروبية". ويشير إلى أن ما يسمّى بمجموعة "الحكماء الخمسة" الألمان التي تضم خمسة من الاقتصاديين المكلفين بمهمة تقديم الاستشارات للحكومة الألمانية تبنوا منذ عهد قريب هذه الفكرة.

والإشارة أيضا إلى أن ألمانيا قد استفاقت من حالة الركود التي كانت تعاني منها، وأنها أصبحت تقوم بـ"مبادرات" حيال باقي القارة الأوروبية مما يعطيه مكانة متميزة. وبحيث إنها تبدو كمن يتولى القيادة، كما يشرح المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب.

أما بالنسبة لفرنسا فيرى أن الأزمة الاقتصادية تقترب منها أكثر فأكثر بعد أن أُعلنت في اليونان وبدت ملامحها في إيطاليا. واسبانيا ليست بعيدة كما يبدو عنها. بتعبير آخر غدت أوروبا الموحدة مهددة في وقت "استيقاظ الوساوس" التي كانت "نائمة" لفترة طويلة.

 

 

 

 

 

 

الكتاب: استيقاظ الوساوس أزمة اليورو

تأليف: جان بيزاني- فيري

الناشر: فايار باريس 2011

الصفحات: 228 صفحة

القطع : المتوسط

 

 

Le réveil des démons

Jean Pisani-Ferry

Fayard - Paris- 2011

228 p.