تحكي مؤلفة الكتاب، قمر كيلاني، عن تاريخ دمشق، مبينة انه انطلقت منها الفتوحات، زمن الأمويين، وكذلك سطعت شمسها، فدانت لها الحضارات وامتدت إلى أوروبا، ثم أشرقت عليها شمس العلوم والإبداع والعمران وازدهار البلدان . وتتحول المؤلفة إلى وصف العاصمة السورية، موضحة أنه تحوطها أسوار حصينة، وهذه الأسوار لها أبواب عددُها سبعة، وهي: (باب شرقي، باب توما، باب الفراديس أو العمارة، باب الجابية، باب النصر، باب الفرج، باب السلام) . كما ان المنطقة الواقعة بين هذه الأبواب هي دمشق القديمة. وما عداها من بساتين وحدائق غناء، وكذلك تشكل كلاً من الغوطتين: الشرقية والغربية.
وتصف كيلاني في هذا الكتاب « دمشق عاصمة ثقافية أبدية»، كيف كان بردى بفروعه السبعة ينحدر من الغوطة الغربية ليشق مدينة دمشق ويتغلغل في حاراتها ودورها، إذ ينبع من البحرات فيها.
وتحكي كيف ان لدمشق طرازا معماريا مدهشا تعبّر عنه بالبيت الشامي العتيق : صحن الدار، تتوسطه النافورة والإيوان، وتنزرع فيه غرف الطابق السفلي ( التحتاني) ويصعد منه الساكن إلى الدور الثاني ( الفوقاني )، وربّما يقام فيه بناء شاسع يسمّونه " القصر " يعلوه بناء صغير يسمّونه " طيارة " .
وتمتد تحت الأقدام مساحة كبيرة يسمّونها " المشرفة " وفي الحديقة تكتنز أشجار النارنج والليمون والكباد، بالإضافة إلى شجيرات الفل والياسمين. وتنتقل كيلاني إلى الحديث عن : مدخل الدار في دمشق القديمة.
ومواصفات الأبواب. وكذا غرفة تسمّى " المربع"، وهي للضيافة واستقبال الزوار وتسمّى "المضافة " معزولة عن البيت، ومؤثثة بالطراز العربي التقليدي، يتوسطها مجمر كبير .
وتخصص المؤلفة بحثا موسعا للحديث عن المطبخ الشامي، مبينة أبرز معالم البيت الشامي، والذي هو موصول بغرفة تسمّى" بيت المؤونة "، وتشرح أنها تزدحم بأنواع الحبوب والدقيق والزيت والسمن والدبس، والمكسرات، وقد يلجأ الناس إلى طريقة تخزين اللحم المطبوخ بالدهن في أوان فخارية، ويسمّونها " القاورمة ". واللافت في هذا المطبخ، هي النملية، أي تلك الخزانة للطعام المحفورة في الجدار، يحميها سلك يدخل الهواء كي لا يفسد الطعام، وكي يحميها من الحشرات .
وتفرد كيلاني فصلا مستقلا للحديث عن عالم متكامل، في دمشق القديمة، ينضم بعضه إلى بعض بأسواق لكل منها اسمه الخاص، ومن أبرز هذه الأسواق: سوق « الحميدية »، سوق «المسكية»، «العصرونية"، « النسوان» .
وتحكي كيلاني كيف يتوسط هذه المدينة الجامع الأموي كشمس تسطع على الجهات الأربع، وفيه حي العمارة الموصول بنقابة الأشراف، وقبر الست رقية وصلاح الدين الأيوبي، والمكتبة الظاهرية والمجمع العلمي العربي. وخارج هذه المدينة لا توجد إلا أحياء سكنية فقيرة، يسمّى بعضها "حكر " كحكر النعنع وحكر السراية .
وما بعد المدينة يقع قاسيون الذي يحتضن المغاور والكهوف التي احتوت قبور الأولياء والصالحين، ولعل أقربها إلى دمشق، ضريح الشيح محيي الدين بن عربي. وفي هذه البيوت تتألق كتب لمؤلفين، بعضها قديم نادر وبعضها حديث، مثل خليل مردم وشفيق جبري وأنور العطار وسليم الزركلي ومحمد البزم. وهذا كلّه ولد ثقافة وحضارة، فقد تأسست المدارس الوطنية،.
وألغيت الكتاتيب، وافتتحت المدارس الرسمية، ووضعت البذور لجامعة دمشق التي نشهدها الآن بكافة فروعها، حتى الإعلامية والتكنولوجية منها. وربّما لم يستطع الدمشقيون الذين انتقلوا إلى المدينة الحديثة، أن ينقلوا الغناء والنافورة والقيشاني والزجاج الملون والمعشّق،.
وإنما نقلوا رموزه وملامحه إلى بيوتهم الحديثة ومزارعهم. إذ قلما يخلو بيت حديث من تحفة أثرية من الخشب المطعم بالصدف أو من مصباح من الزجاج الدمشقي أو من الخرز الملون من صنع يدوي، أو من أوان أو صوانٍ نحاسية محفورة باليد ومستوحاة من معالم دمشق الأثرية.
وفي الأسواق القديمة، لا يزال الدمقس والبروكار ينسج على الأنوال، وفي سوق الحرير نجد المطرزات المشغولة بالقصب أو بخيط الذهب. وهناك صناعة السيوف الدمشقية التي لم تكشف عن أسرارها بعد، كذلك صناعات الآلات الموسيقية، وأشهرها العود، وقد كان كل من يشتريه يعود إلى البائع مرّة ثانية ويشتريه ليقدمه هدية لمن يتذوق الطرب الأصيل .
الكتاب: دمشق عاصمة ثقافية أبدية
تأليف: قمر كيلاني
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2011
الصفحات: 136 صفحة
القطع: المتوسط
