كانت الإمبراطوريتان البريطانية والروسية تمثلان القوتين العظميين في آسيا، خلال القرن الـ 18. وكانتا تسيطران على عدد كبير من شعوب المناطق المجاورة لروسيا، خاصّة في آسيا الوسطى. وكان ذلك بمثابة ترجمة لنزعتهما التوسعية التي كانت الخلفية لنزاع كبير بينهما، اكتسب، فيما بعد تسمية «اللعبة الكبرى».
وتكرس الباحثة البريطانية في مسائل الاستشراق والمستشرقين كتابها الأول تحت عنوان «الحدود الروسية» لدور الرحالة البريطانيين إلى مناطق بحر قزوين والقوقاز وآسيا الوسطى خلال القرن الثامن عشر.
هذا الكتاب هو الأول من نوعه، إذ يضم عددا من كتابات الرحّالة والمستشرقين البريطانيين أنفسهم، وتعليقات المؤلفة عليها. والحديث في الحالتين عن عدد من الشعوب والمناطق التي تسكنها.
وكذلك عن الأماكن «غير المعروفة كثيرا» آنذاك، إنّما ذات الأهمية المركزية على الحدود الروسية. وفي مقدّمة هذه المناطق الفولغا السفلى وأذربيجان وأجزاء من كازاخستان و«تارتاريا المستقلّة» وبعض مناطق آسيا الوسطى.
وتشير المؤلفة في مقدمة كتابها الى أن روسيا حققت توسعا كبيرا في المناطق المجاورة، باستثناء آسيا الوسطى، اعتبارا من عام 1700.
ونجم عن ذلك مدّ نفوذها الثقافي لدى الشعوب غير السلافية في المناطق التي احتلّوها. وترافق ذلك مع فرض المعتقد المسيحي قسرا، وإنشاء مستعمرات روسية. والتأكيد على ان القرن الثامن عشر كان «عصر التحولات الكبرى» بامتياز، وكان القيصر بطرس الأكبر المحفّز الأبرز لتلك التحولات، وأعقبته في سلوك السبيل نفسه «كاترين الثانية»، خلال الثلث الثالث من القرن ذاته. وفتحت روسيا أثناء ذلك، نوافذها للرياح الثقافية والحضارية القادمة من أوروبا.
ولكن لم تنتعش آنذاك، كما تشير عدّة آراء تضمّنها الكتاب، الثقافة والفنون والعلوم فحسب، بل انتعشت كذلك الحروب، فوسّعت روسيا القيصرية عندها من حدودها الجنوبية والجنوبية الشرقية، ما بعد الأورال وسيبيريا. واستولت على القسم الأكبر من سهول آسيا الوسطى.
وما يتم تأكيده في تحليلات هذا الكتاب ونصوص البريطانيين، الذين تواجدوا في المناطق الحدودية الروسية، تحت عناوين متعددة، كتجار أو دبلوماسيين أو رهبان أو مبشّرين، هو أن المنافسة بين روسيا وبريطانيا، بدأت فعليا في القرن الثامن عشر.
وبلغت ذروتها في نهايات القرن الـ19، ضمن إطار «اللعبة الكبرى» الشهيرة. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن «لعبة كبرى» جديدة تجري اليوم في المناطق نفسها، حول المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى في عالم اليوم، أي الولايات المتحدة والصين وروسيا.
تعود مقتطفات النصوص التي يتضمّنها الكتاب، بأغلبيتها، لأولئك الذين كتبوها في إطار عملهم المهني، ومن بينها أيضا، كتابات لرجال علم، من بينهم عدد من الذين مارسوا نشاطاتهم في إطار أكاديمية سان بطرسبورغ للعلوم.
والسمة المشتركة بين الغالبية العظمى لأولئك الذين يمموا شطر مناطق الحدود الروسية من البريطانيين في فترة النزاع بين القوتين الكبيرتين الروسية والبريطانية، يتم تحديدها بأنهم كانوا يتحدثون لغات السكان المحليين في المناطق التي ذهبوا إليها. كما كانوا مكلّفين بأغلبيتهم، مهما كان الغطاء الذي عملوا تحته، بمهمات لصالح حكومة التاج البريطاني. ويبدو بوضوح أن في مقدّمة المهمات التي قاموا بها، كان جمع المعلومات والعمل من أجل كبح التقدّم الروسي. وكذلك قاموا بـ«التفاوض» على تحالفات مع القوى المحليّة كانت موجّهة بالتحديد ضد روسيا.
ما يلفت الانتباه هو أن العديد منهم، فقدوا حياتهم أثناء «تأدية واجبهم». وفي إطار مختلف المهمات التي قام بها الرحّالة البريطانيون إلى مناطق الحدود الروسية، خلال القرنين، الثامن عشر والتاسع عشر، اختلطت مشاعر المنافسة ورغبة الحد من قوّة الروس، كما تشير المؤلفة، مؤكّدة أنهم لم يكونوا يلقون الترحيب الكبير، من قبل أبناء البلاد في أغلب الأحيان.
وإحدى الأفكار المركزية التي تتكرر في هذا الكتاب، تتمثّل في القول ان منطقة التنافس الروسي ـ البريطاني في آسيا الوسطى، وغيرها من مناطق الاحتكاك بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، تكمن في اعتبار تلك المناطق، بمثابة «مجال جغرافي ـ تاريخي»، تقوم فيه ثقافات خاصّة، اعتبرها الأوروبيون عامّة آنذاك، أنها بربرية.
ولكن الروس أيضا كانوا ينظرون إليها من الزاوية نفسها، ذلك على خلفية اعتبار أنفسهم «ورثة البيزنطيين» و«القلعة» التي تحمي القارّة الأوروبية من «برابرة الشرق». وإلى جانب اعتبار المناطق المتنافس عليها بين الروس والبريطانيين على النفوذ كـ «مجال جغرافي ـ تاريخي»، فإن بعض الرحّالة البريطانيين حرصوا على تقديمها كـ «مجال ثقافي شاغر».
ومثل هذه المقولة انتشرت أكثر فأكثر، لدى المستشرقين في مراحل لاحقة. وتتم الإشارة في هذا السياق، إلى أن المواجهة بين القوتين الكبيرتين الروسية والبريطانية من أجل احتلال المجال الشاغر، وجدت انعكاساتها في جميع المفاهيم المستخدمة من قبل البريطانيين في كتاباتهم، كما تشرح مؤلّفة هذا الكتاب.
وبالمقابل، وفي مواجهة مقولة المجال الثقافي الشاغر، يتم التأكيد أن الخصوصيات التاريخية وثقافات شعوب المنطقة، انبثقت منذ عهود موغلة في القدم. وذلك في أطر قبلية أو «كيانات ـ دول» من الترحال، كتلك التي أقامتها قبيلة كالميكي في القرن الثامن عشر، على سبيل المثال. وتغطي النصوص المقدّمة فترة زمنية تقارب الـ 100 سنة. ويجد القارئ في مادتها، كمّا كبيرا من المعلومات في مختلف الميادين والمشارب التاريخية والاجتماعية والثقافية. وهذا فضلا عن القيام بالكشف عن الرهانات الجيوسياسية التي تزخر فيها المنطقة المدروسة.
والنتيجة التي يتم الوصول إليها، أن تلك الرهانات لا تزال قائمة حتى اليوم وتستمر تلعب دورا مركزيا في مصير العديد من المناطق المعنية. واللاعب البريطاني وحده الذي انحسر حضوره في المشهد، بينما استمر دور اللاعب الروسي، بالإضافة إلى القوتين الكبيرتين اليوم، المتمثلتين في الولايات المتحدة الأميركية والصين الصاعدة.
الكتاب: الحدود الروسية
تأليف: بياتريس تيسّير
الناشر: سيغنال بوك نيويورك 2011
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
Russian frontiers
Beatrice Teissier
Signal books
London 2011
320 p.
