يوضح الباحث د. محمد حافظ دياب، في الفصل الأول من الكتاب، تحت عنوان «مصر وأطياف الثورة»، معنى الثورة، مشيرا إلى ان كلمة ثورة كانت في الأصل مصطلحا فكريّا، وتعني الحركة الاعتيادية الدائرية المتكررة للنجوم، واستخدمت الكلمة للمرة الأولى في المعجم الإنجليزي عام 1960.

وتحوّلت دلالتها إلى تلك الحركات التي تستهدف تغييرا اجتماعيّا راديكاليّا، كالثورة الفرنسية التي شكلت أول ثورة شعبية ديمقراطية، وبجانب مفهوم الثورة هناك مفاهيم أخرى تداخلت معها، منها: الانقلاب، الانتفاضة، التمرد، الفتنة أو الهوجة، والهبَة.

ويتناول المؤلف غزو الفرنسيين لمصر، إذ إنه، وتحت عنوان «ملحمة رشيد 1807»، يبين ان الحملة الفرنسية أسفرت عن لفت أنظار الدول الأوروبية إلى أهمية مركز مصر وموقعها الاستراتيجي، وكرست مقاومتها لها، ما عرف بعد ذلك بالنضال الوطني ضد المحتل، وبدء تبلور مفهوم الأمة وولادة قيادة شعبية مصرية جديدة داخل المجال المجتمعي العام، تمثلت في الكتلة الشعبية التي قادها نقيب الأشراف عمر مكرم.

كما يستعرض دياب، موضوعا مهما في كتابه: «الجهادية والوطنيون 1881»، فيرى أن معركة رشيد أكدت لمحمد علي عبقرية المكان المصري ومعنى الشعبية المصرية الطالعة، فانصرف بعدها إلى ترتيب البيت من الداخل. ويشرح المؤلف، طبيعة الخطوات اللاحقة.

موضحا انه تزايد نضوج الوعي الوطني الذي ظهر جليّا مع تصاعد انتشار التعليم، والصحف الرسمية والشعبية، وتكوّن الجمعيات السرية والعلنية ومعها حصيلة التجارب البرلمانية الأولى، التي أتاحت للمصريين فرصة مناقشة أحوالهم أواخر عهد إسماعيل؛ ووجدت نخبة جديدة من ضباط الجيش وملاك الأراضي والمثقفين وموظفي الحكومة، بدأت تدعو إلى الوقوف ضد الخديوي والأجانب.

ويلخص المؤلف في فصل مستقل ماهية «ثورة كل المصريين 1919»، مبينا فحوى المشهد، عقب هزيمة الثورة العرابية، حيث عاشت مصر وطأة احتلال لم يتوقف عند كونه مجرد واقع وجودي استعماري، بل امتد ليشمل مناهج وطرائق جديدة لسلطته، اعتمدت على نوع جديد من السيطرة والضبط كإطار يمكنه من تنظيم وتيسير مصالحه.

ثم يتناول المؤلف تحليل ثورة 1919 التي يعتبرها أول ثورة وطنية في العالم، تنفجر بعد الحرب العالمية الأولى، وأول حدث جمع المصريين على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وأجيالهم، وأقرب وأجل الأحداث إلى قلوبهم.

حيث بدت وكأنها ترد الاعتبار إلى أحمد عرابي في شخص سعد زغلول. ومن ثم ينتقل المؤلف إلى الفصل السادس «انتفاضة الطلبة 1935»، الذي يوضح فيه دور الحركة الطلابية في المجتمع، وتحت عنوان «انتفاضة الطلبة والعمال 1946»، يرصد دياب واقع ما عقب انتفاضة 1935 التي قامت بها الحركة الطلابية، والتي لا يزال قلبها يدق، رغم ما شهده الشارع السياسي من محاولات استقطاب ومنافسة حزبية على هذه الحركة.

وفي الفصل الثامن من الكتاب: «الثورة المجهضة يوليو 1952»، يرى د. دياب أن ثورة يوليو 1952 جاءت كانفجار حتمي لوضع متفجر، وثمرة لاحتدام المسألة الاجتماعية وفشل العهد البائد في تحقيق آمال الاستقلال والتقدم والديمقراطية. ورغم كل ما أحاط بثورة يوليو من ظروف معقدة، سواء في التحديات التي واجهتها أو في المطامح التي قادتها، أو في الأخطاء التي ارتكبتها.

فهي في جوهرها امتداد للموجات المتصارعة للحركة الوطنية التي حلمت بالحد من التبعية البنيوية الرأسمالية، وإنجاز مشروع قومي، ولكنها كانت تحمل بذور إجهاضها من داخلها، وتربص القوى الخارجية بها، والتي مثلتها القوى الإمبريالية المتحالفة مع الصهيونية.

وفيما وصفه المؤلف بأنه «هبّة الجياع 1977» جاء الفصل التاسع، حيث يشير إلى أن تلك الهبة بدأت مع الإعلان عن «تعديل المسار الاقتصادي» وصدور قرارات يوم 17 يناير، وفي مقدمتها إلغاء الدعم الحكومي للسلع الأساسية. ومن ثم بدأت التظاهرات مع خروج عمال شركة مصر حلوان للغزل والنسيج ونجاحهم في ضم بعض عمال المصانع الأخرى بالمنطقة.

وأكدت هذه الأحداث أنها الهبة الأوسع مدى منذ ثورة 1919 مع اقترابها في لحظات اشتعالها من شكل الثورة الشعبية، فهي المرة الأولى منذ ثورة 1952 التي خرجت فيها الجماهير بهذا الحجم على امتداد تسع محافظات، وأيضا خروج القوات المسلحة لإعادة الانضباط إلى الشارع بعد أن عجزت قوات الأمن والشرطة عن ذلك.

 

 

 

الكتاب: انتفاضات أم ثورات في تاريخ مصر الحديث

تأليف: محمد حافظ دياب

الناشر: دار الشروق القاهرة 2011

الصفحات: 236 صفحة

القطع: الكبير