تكشف مؤلفة الكتاب، د. سمر سعيد، طبيعة اسهامات وأدوار الفنان المصري محمود رضا، في مضمون الفنون الشعبية بالمجتمع المصري، راصدة ماهية دوره عبر تفاصيل رحلة بحثية طويلة ومضيئة في بطون الكتب، العربي منها والأجنبي. وكذلك بعد لقاءات ومحاورات ممتدة مع الفنان نفسه، ومع غيره من الخبراء والمهتمين بالرقص الشعبي المصري.
ومن أبرز ما تمثلت فيه أعماله وآثاره أنماط الرقصات الشعبية المصرية، وذلك كما تمثلت له، وبعد ما جاب البلاد طولاً وعرضاً، يجمعها ويدونها ويوثقها، ويلتمسها في مظانها، ثم عكف عليها مستلهماً ومعيشاً، ثم مصمماً لرقصات أو لوحات أو استعراضات ترتد إلى أصل وموروث درسه وعايشه. وكان للفنان محمود رضا الفضل والسبق في تأسيس أول فرقة للرقص الشعبي في مصر.
وكان له فضل كبير في جمع الموروث الشعبي من أغان ورقصات، لم يكتف بأن يحصل على ما يريد من معلومات وبيانات خاصة بالرقص الشعبي من أغان ورقصات وعادات من مركز الفنون الشعبية، الذي كان يعلم أنه يحوى ما يريد.
ولكنه فضل أن يقوم بالذي يجب أن تقوم به المؤسسات العلمية والبحثية، فقد تنقل بين القرى والنجوع في محافظات مصر القبلية والبحرية، النائية عن العاصمة، وشافه والتقى أناساً مختلفين، من بيئات مختلفة، يأخذ منهم، ويستوعب كل ما عندهم من فنون شعبية، حتى إذا استقاها واستوعبها، انصرف إليها يمحصها ويقلب النظر فيها.
وتظهر المؤلفة من خلال صفحات الكتاب أن الاهتمام الرسمي بإنشاء فرق الفنون الشعبية عامة، وفرقة رضا للفنون الشعبية خاصة، لم يحدث إلا بعد ثورة يوليو 1952، وذلك لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وفنية، كانت تمر بها مصر قبل الثورة. كما أن انتشار التعليم بعد الثورة كان له أثر كبير فى تغيير المفاهيم القديمة التقليدية للرقص الشعبي وممارسيه.
ومن هذا المنطلق ظهر الفنان المبدع محمود رضا في ريادة هذا الفن الشعبي الأصيل، ووضع له الأسس والأسلوب الفني الذي يعتمد على الوصول بالفنان الراقص والراقصة إلى أعلى مستويات الأداء الفني.
وخلصت الباحثة إلى مجموعة من النتائج، أهمها أن الفنان محمود رضا استطاع استلهام بعض الرقصات الشعبية التي تؤدى في موطنها الأصلي، وأن أعماله المسرحية والسينمائية ورقصاته، تعد إضافة جديدة مبهرة ومهمة باستلهامه في الرقص الشعبي المصري، إذ استطاع رضا من خلال زياراته الميدانية الحفاظ على الهوية.
والذاتية الشعبية في استلهام الرقص الشعبي المصري، وفرض أسلوبه في تصميم العناصر الحركية نفسه كأسلوب مميز أسهم في جميع أعمال الفرق الفنية للفنون الشعبية، سواء الحكومية أو الخاصة، حيث استخدم في أسلوبه طريقة (التبادل والتوافق) عند وضع العناصر الحركية.
ورأت سعيد أن برنامج محمود رضا الذي وضع للتدريب والإحماء اليومي للراقصين، تميز بما يلى: أولاً ان التمرينات والتدريبات اليومية مستوحاة من حركات الرقص الشعبي المصري، ثانيا إحماء عضلات الرقص وتجهيزها، ثالثا وضع الحركات التي قد يستخدمها المصمم. ووضعها في تشكيلات وجمل حركية متنوعة، رابعا زيادة اللياقة الجسمانية والعضلية للراقص عن طريق التكرار اليومي لهذه التدريبات.
ومن خلال ما عُرض في صفحات هذا الكتاب، وضعت المؤلفة بعض التصورات والتوصيات التي يمكن أن تجعل لهذا الكتاب فائدة علمية يستفيد منها الباحثون والمهتمون بالفنون الشعبية، إذا ما وضعت هذه التوصيات موضع التنفيذ للهيئات العلمية والمعاهد المتخصصة التي تهتم بدراسة التراث الشعبي المصري، سواء من الناحية النظرية أو الناحية العلمية. ويتلخص أبرز تلك التوصيات في:
أولاً ضرورة اهتمام المسؤولين عن فرق الفنون الشعبية أو الاستعراضية بتوثيق وتدوين أسلوب محمود رضا في تصميمه واختياره واستلهامه للحركات الشعبية والمعلومات، حيث إن هذا التوثيق يعتبر أداة مهمة تساعد على استلهام هذه الحركات وتحديثها، وتحقيق التواصل بين المبدعين القائمين على العمل فى مجال إدارة فرق الفنون الشعبية.
ثانياً ضرورة التزام مصممي الرقصات الشعبية المصرية بالبحث الأكاديمي والميداني، وتوظيف الحركة المستمدة من التراث الشعبي الأصيل حتى تكون هذه الرقصات معبرة تعبيراً صادقاً عن تراثنا الشعبي.
ثالثاً اتخاذ الرحلات الميدانية التي قام بها رضا كقواعد يستفيد منها المتخصصون في تصميم وتدريب وأداء الرقصات الشعبية التي تعتمد على التراث الشعبي وتعبر عنه، مع الابتعاد عن الحركات والتعبيرات الدخيلة والوافدة علينا.
رابعاً ضرورة استخدام الآلات الشعبية الخاصة بكل بيئة من البيئات المحلية والوطنية، والبعد عن استخدام الآلات الموسيقية الحديثة والكهربائية حتى تتحقق وتظهر الروح الشعبية على العمل الفني الذي يؤلف خصيصاً من تراثنا الشعبي.
الكتاب: محمود رضا والرقص الشعبي في مصر
المؤلفة: د.سمر سعيد
الناشر: الهيئة المصرية للكتاب
الصفحات: 206 صفحات
القطع: المتوسط
