حقق الطب تقدماً واضحاً في عالم العلاج، وواكبته في مسيرة التقدم صناعات الأدوية. لكن هذا لا ينفي واقع أن هناك اليوم تراجعاً في اختراع أدوية جديدة فعالة.
بل هناك ندرة حقيقية في هذا المجال، كما يشرح أستاذ العلوم البيولوجية والكيميائية في جامعة كولومبيا في كتابه الأول الذي يحمل عنوان: البحث عن الشفاء" الذي يبحث فيه عن العلم والحكايات الكامنة وراء الجيل المقبل في عالم الطب، كما جاء في العنوان الفرعي.
ويشرح المؤلف أنه بعد عقود خمسة من مسيرة التطور الذي تم تحقيقه في مجالات صناعات الأدوية، بدأت الشكوك تحوم حول إمكانية أن يكون هذا التطور قد وصل إلى سقفه الأعلى، وأن العالم اليوم هو في المحطة النهائية في ما يتعلق باكتشاف الأدوية المكرّسة لمعالجة الأمراض الخطيرة.
كما يشرح المؤلف في العديد من الصفحات واقع المعضلة التي تواجهها الإنسانية في مجال اكتشاف الأدوية الناجعة في علاج الأمراض الخطيرة في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الكتاب يبدأ بالحديث عن الإنجازات العلمية الكبيرة التي تحققت خلال القرن الماضي، العشرين، والتي قادت إلى تحقيق تقدّم كبير على صعيد تجديد تصنيع المخدرات، كما نشهد اليوم.
تتم الإشارة في هذا السياق أن اختراع غاز الموتارد أثناء الحرب العالمية الأولى قاد إلى التعرف إلى بدايات الكشف عن عناصر مضادة لمرض السرطان، وأن "فك رموز" تركيب الخلايا الإنسانية يمكن أن يؤدي إلى مقاربات جديدة في مفهوم الأدوية نفسها.
بالمقابل يشير المؤلف إلى أن عدداً من الأمراض المصنّفة في خانة غير قابلة للشفاء، مثل الزهايمر وبعض الأورام السرطانية وغير ذلك من الأمراض التي لم يتم اكتشاف أدوية فعالة لمكافحتها، غدت في واقع الأمر مستعصية بسبب ما تواجهه فرق البحث العلمي التي لا تزال تستخدم أدوات صناعات الأدوية التقليدية.
ويقدّم مؤلف هذا الكتاب لمحة عن "مفهوم الأدوية الجديدة" وعن التكنولوجيات الواعدة. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن قلّة، بل ندرة، الأدوية الجديدة المكتشفة حديثاً"، تمثل أحد الأسئلة الكبيرة المطروحة في هذا الميدان.
والتأكيد أن عدد الأدوية التي جرى اكتشافها خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة تناقص عاما بعد عام. لكن الأموال المكرّسة لصناعة الأدوية وللباحثين الجامعيين والحكوميين في البلدان الغربية عامة زادت بشكل ملحوظ. هذا دون أن تتم ترجمة ذلك بزيادة عدد الأدوية الجديدة المكتشفة. تتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن تجربة الجمع بين دواء مضاد لـلطفيليات ودواء مضاد لـلاكتئاب أظهرت فعالية كبيرة في مكافحة السرطان.
والتأكيد على أنه من خلال الجمع والتوليف بين أدوية متنوعة قد يمكن الوصول إلى عدد كبير من الأدوية الجديدة. لكن المؤلف يميل، حسب قوله، إلى توجيه البحث نحو اختراع أدوية جديدة فعلياً لعلاج هذا المرض الخطير أو ذاك. ذلك أن هذه الأمراض تشكل التحدي الحقيقي في مجال مكافحة المرض. ويحتوي هذا الكتاب على عدد كبير من الحكايات الكامنة وراء اختراع هذا الدواء أو ذاك.
هكذا يروي المؤلف كيف أن اختراع الفاليوم المشهور أنه مضاد فعال ضد القلق النفسي، يعود إلى مجرد مصادفة غريبة. ففي عام 1957 عندما كان ليو سترنباش يقوم بـتنظيف مختبره "روش" لصناعة الأدوية، اكتشف زجاجة صغيرة قديمة تحتوي على مادة كيميائية كان قد قام بـ"تركيبها" سابقاً، ثم ألقاها جانباً على أساس أنها دون فائدة.
لقد قرر القيام بـتجربة عليها لاختبار صفاتها المضادة للقلق؛ ميدان اهتمامه. وكانت المفاجأة هي أن تلك المادة ذات الهوية المجهولة أظهرت فاعلية أكبر بكثير من جمع أنواع المواد المخدّرة المستخدمة آنذاك. وبعد جهد مستمر لمدة ثلاث سنوات اكتشف سترنباش هوية المادة الكيميائية، وحصل على السماح باستخدامها لدى المرضى. كان النجاح كبيراً، ولا يزال.
أما في أفق المستقبل، فيرى المؤلف أن زيادة عدد، وتحسين نوعية، الأدوية الجديدة يتطلّب بالضرورة تنسيق الجهود من قبل هيئات تمويل البحوث الحيوية الكيميائية- بيوكيميائية- من أجل مواجهة التحديات المرضية التي تواجهها الإنسانية اليوم. ويرى أيضا أنه من المهم الاهتمام بتدريس المواد ذات العلاقة بتصنيع الأدوية مثل الكيمياء والبيولوجيا والطب نفسه..
الكتاب: البحث عن الشفاء
تأليف: برنت ر. ستوكويل
الناشر: جامعة كولومبيا- 2011
الصفحات: 284 صفحة
القطع: المتوسط
The quest for the cure
Brent R. Stockwell
Columbia University Press- 2011
284 .p
