شاع الحديث في السنوات الأخيرة، عن الأزمة الاقتصادية والمالية الكبيرة التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية. لكن لهذه الأزمة وجهاً آخر هو أنها تعبّر أيضاً عن أزمة ذات طابع عنصري.
ذلك أنه إذا كان الأميركيون البيض يعانون منها فإن الأميركيين من غير البيض، وخاصّة ذوي الأصول الإفريقية من السود وذوي الأصول الأسبانية القادمين من المكسيك وغيرها من دول الجوار الأميركي اللاتيني، يعانون أكثر فأكثر. وهذا ما يشرحه الأستاذان الجامعيان الأميركيان الأخصائيان في المسائل الدستورية والحقوقية، ديسموند س، كينغ، الأستاذ في جامعة اكسفورد وروجرز م. سميت، الأستاذ في جامعة بنسلفانيا، في كتابهما الذي يحمل عنوان "البيت الأميركي المنقسم على نفسه".
إن المؤلفين يدرسان العلاقة بين السياسة والعرق في الولايات المتحدة خلال رئاسة باراك اوباما. كما يشير العنوان الثانوي لهذا الكتاب.
ويطرح المؤلفان السؤال التالي: لماذا فشلت السياسة الأميركية في تقليص أشكال عدم المساواة العنصرية التي بقيت متغلغلة في جسد الأمّة؟ وسؤال آخر: هل حدد الرئيس اوباما مقربات سياسية جديدة للمسائل العرقية يمكنها أن تعزز من الوحدة الوطنية وتشجّع على التقدّم؟
وتدلّ التحليلات المقدّمة أن قادة الحزبين السياسيين الأميركيين الرئيسيين أي الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، يتابعون التصرّف، لأسباب مختلفة، وكأن مسألة العرق قد عفا عليها الزمن وغير وثيقة الصلة بالواقع في بلاد يتولّى فيها أميركي من أصل افريقي رئاسة البلاد.
بعض الإحصاءات التي يقدمها المؤلفان تشير بوضوح إلى دور العامل العنصري في الحياة الاجتماعية والسياسية الأميركية.
هكذا نجد أن نسبة العاطلين عن العمل في أميركا كانت 8،2 بالنسبة للبيض مقابل 16،8 للسود و11،3 بالنسبة لذوي الأصول الأسبانية. وتدلّ إحصاءات مراكز مختصّة أنه في عام 2009 كان الدخل المتوسط لأسرة أميركية سوداء هو 15677 دولاراً في السنة مقابل 16325 دولاراً بالنسبة لأسرة مناظرة من أصل إسباني بينما يصل دخل الأسرة البيضاء إلى 113149 دولاراً.
ويؤكّد المؤلفان أن الحزبين الأميركيين الرئيسيين كانا على مدى القسم الأكبر من التاريخ الأميركي كلّه منقسمين حول المسألة العنصرية. لكن هذا لا يمنع واقع أنهما بعد أن "تجابها" منذ نهاية سنوات السبعينات المنصرمة وحتى أواسط عقد التسعينات وصلا في العقد الماضي إلى نوع من الاتفاق الكامل تقريباً بعدم الحديث عن مسائل العرق. مثل هذا "الصمت" أعاق إلى حد كبير، كما يشرح المؤلفان، التقدّم نحو المساواة العنصرية.
الديمقراطيون يتطرّقون بأقل قدر ممكن إلى مسائل العرق رغم أن الملونين في أميركا يشكّلون نسبة هامّة من الناخبين.
ذلك كون أن المواقف التي اتخذها الجمهوريون بعدم تعرّض القوانين للون والعرق تحظى بشعبية كبيرة. وإذا كان الديمقراطيون قد أكّدوا على التمييز الإيجابي لصالح السود وذوي الأصول الأسبانية في برامجهم الانتخابية منذ عام 1972 فإنهم أصبحوا يتحدثون أقل فأقل عن هذا منذ حقبة الرئيس الأميركي الأسبق رينالد ريغان.
الرئيس باراك اوباما لم يتحدث أبداً، كما يشار، عن تخلّيه صراحة عن التمييز الإيجابي، لكنه فضّل بالمقابل تبنّي برامج اجتماعية شاملة تخص جميع الأميركيين دون أيّة إشارة من قريب أو بعيد للعرق أو اللون.
هذا ما بدا بوضوح في برنامجه الخاص بميدان الصحّة وضمان العلاج للجميع. وقد تمكّن بذلك من تجنّب الظهور بمن يكنّ تعاطفاً خاصّاً مع الأميركيين ذوي الأصل الإفريقي مثله.
وينتهي المؤلفان إلى القول إنه ينبغي على القادة السياسيين الأميركيين الاعتراف بوضوح وصراحة أنه لن يمكن التقدّم من خلال تجاهل المسائل المتعلّقة بالعرق ولا من خلال التركيز حصراً عليها. وأنّه من المشروع بل ومن الأساسي الوصول إلى تبنّي سياسة توافقية على أساس إجراءات لا تستهدف صراحة العرق لكنها تقوم جزئياً على خدمة غير البيض خاصّة. مثل هذه السياسة ينبغي أن تكون أساساً للنقاشات العامّة، كما يخلص المؤلفان للقول.
الكتاب: البيت الأميركي المنقسم على نفسه
تأليف: ديسموند س.كينغ روجرز م.سميت
الناشر: جامعة برنستون- 2011
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
Still a house divided
Desmond S King
Rogers M Smith
Princeton University
Press - 2011
320 .p
