نشرت إحدى المجلات الفرنسية الكبرى، قبل شهور، تحقيقاً صحافياً حول الرؤساء الفرنسيين السابقين، من خلال الساعات التي يستخدمونها.
وجاء في التحقيق، أن الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، صاحب ساعة "رولكس" والتقى الجنرال شارل ديغول دائماً بـ"الساعة" التي أهدتها له إحدى الشركات التي زارها، كـ"دعاية" لها، مع الإشارة الى أن ثمن تلك الساعة، هو أقل من 20 دولاراً. وأما الرئيس فرانسوا ميتران، فقد أمضى حياته كلها، دون أن يضع ساعة بمعصمه، وذلك أنه لم يكن يريد أن يصبح أسيراً للتحديدات الزمنية.
وحكاية ساعة الرئيس، جعلها أستاذ الفلسفة الفرنسي يان دالا غليو، موضوع كتابه الأول الذي يحمل عنوان: "ساعة رولكس بعمر 50 سنة". ويبدأ المؤلف بجملة كان أطلقها خبير الدعاية الفرنسي الشهير، الذي ترأس الحملة الدعائية للرئيس ساركوزي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، جاك سيغيلا، وهي كانت موجهة لأولئك الذين أعابوا على الرئيس نيكولا ساركوزي امتلاكه لساعة «رولكس». وتقول: «إذا بلغ المرء سن الخمسين من العمر، ولم يمتلك ساعة رولكس.
فهذا معناه أنه قد أخفق في حياته». مقابل مثل هذه الفكرة يأخذ مؤلف الكتاب، أستاذ الفلسفة، منحى آخر، مخالفاً تماماً. وهو أنه ينبغي التوقف عن قبول جميع أشكال الإجماع الرخوة والأفكار المروّجة الزائفة. واعتراضات الخبراء العقيمة. بالمقابل ينبغي الترحيب بجميع أولئك الذين يريدون أن يصوغوا آراءً خاصة بهم، بمعنى أنها ليست منقولة من الآخرين وآراء صادرة منهم ومن أجلهم. ولا يتردد المؤلف في أن يكرس إهداء الكتاب لهؤلاء الذين ينضوون تحت هذا المفهوم.
ويكتب المؤلف بخصوص جاك سيغيلا: «ربما أن سيغيلا أخفق في حياته، وهو على الأقل قد أخفق في أن يصمت -عندما قال جملته - عندما أراد أن يدفعنا للشكوى من الحالة التي نعيشها. وبفضله نذرف الدموع الغزيرة على ضياع كل ما هو أصيل وعلى نهاية أشكال الفرح البسيطة، وعلى هيمنة النزعة المادية وزوال القيم الحقيقية».
ويشرح المؤلف أن النجاح في الحياة يفترض بالضرورة، أن يحدد المرء "رغبة عليا يسعى من أجل تحقيقها. والإجابة على السؤال التالي: ما هو الأمر الذي له الغلبة على جميع الأمور الأخرى والذي نسعى جميعاً من أجل تحقيقه؟ إنه "السعادة" هكذا يقول ارسطو، قبل أن يضيف "معدّلاً" قليلاً من رأيه: "الجميع يُظهرون أنهم يعيشون حياة رغيدة ويعرفون النجاح، وبالتالي هم سعداء".
هذه الأنماط من السعادة وغيرها، يتحدث عنها المؤلف في أقسام الكتاب الأربعة، التي تهتم بـ"الفكر الجاهز" و"الحياة المهتزّة"، ذلك في ظل البحث عن السعادة المستدامة، والحياة كما يتم إنتاجها، بمعنى البحث عن العيش بالتطابق مع الإرادة والبحث في أهمية المال بحياة البشر، وأخيراً "الحياة على أساس الفلسفة العابرة".
وفي جميع الحالات يرى المؤلف، أنه من الأفضل أن يتمتع الفرد بـ"حق الإخفاق في الحياة"، إذا كان النجاح يعني ضرورة حيازة "ساعة رولكس في عمر 50 سنة".
ويبحث عن مرجعيات مثل هذا الرأي لدى فلاسفة اليونان القدماء الذين أكّدوا على أهمية "تشغيل" العقل وعدم الانصياع وراء أية فكرة دون بحث أو تمحيص.
ويسأل المؤلف: "ما هي الحياة الحقيقية"؟ ثم يجيب: " الإجابة عليه بشكل جيد أو سيئ تكمن في الحياة الحقيقية، وهذا ما هو محروم منه البشر اليوم، اذ تتم معاملتهم وكأنهم مجرد أطفال".
لكن هل يمكن إقامة الأخلاق كلها على أساس السعادة؟ يتساءل المؤلف أيضاً. ويشرح في معرض الإجابة، ان أفلاطون أقام في عمله الذي يحمل عنوان "غورجياس"، حواراً بين كاليكليس وسقراط.
ويحدد القول ان هذا الأخير: سقراط. اعتبر أن الفضيلة تكمن في سيطرة الإنسان على رغباته. وهذا ما أجابه عليه كاليكليس:"حياة الرفاهية والحرية، إذا كانت مدعومة بالقوة، تولّد السعادة والفضيلة".
ويضيف مؤلف الكتاب موضحاً ان سقراط يواجه هذا الميل "غير المحدود" نحو الذهب والرفاهية، بالتأكيد على "جمال البحيرات" و"تناسق الطبيعة" و"الانسجام مع الذات". ويقول هنا: "إن الجموح في الأهواء لا يمكن أن يولّد السعادة، ذلك أن الطبيعة ذاتها تقوم على الانسجام واحترام المعايير".
إن مؤلف الكتاب، وانطلاقاً من "ساعة رولكس في معصم الرئيس ساركوزي"، يشرح العلاقة "الحميمة" التي أقامها النموذج الاستهلاكي الغربي مع المال "مصدر السعادة". كما يتعرض من خلال هذه العلاقة، الى تفسير مفاهيم النجاح والفشل في المجتمعات الغربية المعاصرة. فهذه المجتمعات تسيطر فيها "النزعة المادية" دون منازع، على عقول الناس.
ولا يتردد أستاذ الفلسفة في إعلان غضبه مما يسميه "الازدراء الكبير"، الذي يتضمن عليه التفاخر باقتناء "ساعة رولكس" لملايين الفقراء والعاطلين عن العمل في فرنسا، كما في غيرها من البلدان الغربية. ولكن المؤلف يبدي من جهة، الازدراء أيضاً لمن يعتبر أن "ساعة الرولكس" أجمل من ابتسامة طفل. ويتساءل: "ماذا يمكن أن تساوي ساعة الرولكس إلى جانب ابتسامة جميلة تزيّن وجه ابنتي؟".
ورغم ما يوجهه المؤلف من نقد، حيال من يتباهى بما يملكه من "امتيازات مادية"، يؤكد على ضرورة عدم توجيه الإدانة لمن يسعى إلى النجاح. ويؤكد أن الدعوة إلى البساطة لا تعني أبداً "نسيان الطموح".
فالجميع يستهلكون ولكن ينبغي عدم الرضوخ، حسب رأيه، لاستبداد رغبة الاستهلاك. ثم هناك الحب والأسرة والحياة الروحية. و"ساعة سواتش" التي تعطي الوقت بدقة.
الكتاب: ساعة رولكس في عمر 50 سنة تأليف: يان دالايغلو
الناشر: فلاماريون باريس 2011
الصفحات: 124 صفحة
القطع: الصغير
Une Rolex à 50 ans
Yann DallAglio
Flammarion - Paris- 2011
124 p .
