يسوق مؤلف الكتاب، عبد الحكيم أجهر في كتابه، جملة اعتبارات وبراهين علمية، يعرفنا فيها، على نقاط ومفاصل الالتقاء الفكري بين هذين الفقيهين والمفكرين في الحضارة الإسلامية، وذلك بصرف النظر عن "العبارات الإنشائية" التي انتقد فيها ابن تيمية ابن عربي بشدة، واتهمه فيها بكل الاتهامات التي وجهت يوماً إلى ابن تيمية نفسه من طرف خصومه، لأنه يرى أن فكر ابن تيمية هو نوع من المصادقة الكبرى على فكر ابن عربي، التي تتمتع بأهمية فائقة، كونها لا تشبه ما يفعله اتباع ابن عربي من قبول كل ما قاله الشيخ الأكبر، حتى لو لم يكن مفهوماً بالنسبة لهم.

وبوصفها مصادقة تصدر عن واحد من مؤسسي المرجعيات الإسلامية الكبرى، الذين وقفوا موقفاً نقدياً من الشيخ الأكبر، واستعاروا في الوقت نفسه معظم مفاهيمه الأساسية. ويدعم أجهر ما يذهب إليه في هذا الكتاب بالبحث المعمق في أعمال كل من الشيخين ابن تيمية وابن عربي، حيث يجد أن تعبير ابن عربي عن الأسئلة الثقافية العربية كان تعبيراً كشفياً وصوفياً، اعتقد فيه أن سؤال العالم، وفق الشروط المحلية الشديدة الخصوصية لثنائية التنزيه والتشبيه الإسلامية مثلاً، يقتضي صياغة للعالم تتجاوز المفاهيم التقليدية، وتطرح مفهوماً للحقيقة يختلف عن المفهوم الذي يجعلها قابلة للتحصيل وفق منطق ذهني محدد.

وبالنسبة للشيخ الأكبر لا يوجد شيء في العالم يمكن فهمه وفق شروطه الوضعية، حسب ما يبدو بخصائصه وأحكامه المحددة له، ذلك أن كل شيء يمتلك بعداً آخر. بالمقابل، كان ابن تيمية تعبيراً عقلانياً عن الأسئلة نفسها، حيث يمكن فهم العالم بالعقل، ووفق منطق الضرورة السببي، ولكن مع ذلك، فإنه غير قابل للإغلاق في نظام محكم ونهائي، لأن الأشياء لا تكتفي بتعبيراتها الوضعية، ولا يمكن رد العالم أو فهمه ضمن وحدة من أي نوع، لا وحدة كونية موضوعية، ولا وحدة عقلية تمركز العالم بالعقل ومفاهيمه.

ويبدو أن المسألة المركزية عند ابن تيمية هي نفسها عند ابن عربي، وتتجسد في تفسير ظهور العالم على أنه مراحل متدرجة من التعين، وقد شرح ابن عربي عملية التعين، ورأى بأنها تتم على مرحلتين.

المرحلة الأولى تحصل داخل الذات الإلهية، والثانية تحصل خارجها، بمعنى أن التعين الأول يحصل داخل الذات عندما تتجلى الذات الإلهية لذاتها بذاتها، الأمر الذي ينتج عنه الأعيان الثابتة. وفي هذا التجلي، الذي سماه ابن عربي الفيض الأقدس، تنتقل الذات من حالة اللاتعين إلى حالة الصور الفردية الثابتة، وهي الممكنات نفسها التي لا تزال هنا في هذه المرحلة، ممكنات علمية. وفي المرحلة الثانية في هذا التجلي هو التجلي الشهودي، اذ تنتقل فيه الأعيان من حالتها الصورية العلمية إلى حالة الوجود، وتصبح عندها الصور موجودات حسية.

ويرى أجهر أن بنية فكر ابن عربي تنهض على مبدأين أساسيين، هما مبدأ الوجود ومبدأ أحكام الوجود، حيث الوجود هو الأكثر أصالة، ويسبق نظرياً أي شيء آخر في العالم. وهو في مرتبته الأولية لا يمكن تحديده. ولأنه كذلك فالعماء أقرب الأشياء له. والوجود في هذه المرتبة هو الباطن، والخفاء، واللاتعين. ويبقى كذلك حتى يظهر في صورة الموجودات، لأنه ينتقل -فقط - من خلال الموجودات الفردية من مرتبة الإطلاق والخفاء إلى مرتبة الظهور والتعين، ويصبح الوجود شيئاً يقع تحت الوعي.

ويتمتع العالم، الذي يجعل من الوجود موجودات، بوضعية فلسفية مزدوجة، كونه من جهة أولى ينتمي الى الوجود لأنه مظهر له، وهو من جهة ثانية مظهر الوجود وليس الوجود ذاته، ولا تجعل عملية التعين منه شيئاً آخر. إذً، فالعالم أو الكون، الوجود، وهو ليس الوجود في وقت واحد. وهذه مسألة أساسية في فكر ابن عربي، وفكرة مركزية في بنائه للعالم. أما الأسماء الإلهية، فهي صاحبة الدور الفلسفي المركزي في ظهور الوجود.

إن نظرية التجلي التي قال بها ابن عربي، تجعل من كل شيء في العالم، وجهاً من وجوه الحقيقة، حيث تبنى نظرية التجلي نفسها على فكرة الشمول. شمول الوحدة الإلهية لكل شيء آخر، ولا شيء في العالم يستقل بنفسه عن مصدره، أو أن يوجد في العالم بعيداً عن الوجود ذاته. وهذا يعني أن العالم كله مظاهر لحقيقة واحدة.

حيث كل شيء في العالم هو حقيقي، لأنه صادر عن الحق. ويعتقد أن ابن تيمية الذي تبنى هذه المفاهيم من ابن عربي، كان على وعي تام بما تتضمنه من نتائج، وبأهدافها الحقيقية التي تقوم على دعوة التسامح. ولكن شيخ الإسلام كان محاصراً بشروط سياسية واجتماعية مضطربة، قلصت من منح هذه المفاهيم كل مضامينها الأصلية.

ومن تلك الشروط : الممارسات الدينية الخرافية، ضعف الاجتهاد وجمود الأفكار، وجود عدو خارجي تتري. ويخلص المؤلف إلى أن تردد ابن تيمية في إعادة صياغة تلك المفاهيم، يرجع إلى أنه كان يريد فتح باب التسامح، كما تقتضيه تلك المفاهيم، وفي الوقت نفسه كان يخشى أن يشكل ذلك شرعية لكل أشكال التفسير الإسلامي، الذي اعتقد أنها أدخلت الدين في ممارسات أبعدته عن العقل.

 

 

الكتاب: سؤال العالم الشيخان ابن عربي وابن تيمية: من فكر الوحدة إلى فكر الاختلاف

تأليف: د. عبد الحكيم أجهر

الناشر: المركز الثقافي العربي بيروت 2011

الصفحات: 317 صفحة

القطع: الكبير