تحت عنوان «مغامرات اليكسي في بلاد الأرقام»، يقدّم الباحث والصحافي البريطاني المتخصصّ بالرياضيات والفلسفة من جامعة اكسفورد، كتابا يبحث فيه عن مسالك عالم الرياضيات وتطبيقاتها في جميع الميادين. إن المؤلف يسبر أسرار هذا العالم ومقولاته ونظرياته الكبرى التي تجد تطبيقاتها العملية في مختلف ميادين حياتنا اليومية.
وهكذا نقرأ عن مواضيع مختلفة، انطلاقا من مفاهيم الجبر إلى الدلالات الأساسية للإحصاء، ومن اللوغاريتم إلى المفارقات «الرياضية»، وألغاز الرياضيات، ومن النظريات الهندسية ونظريات الرياضيات الأكثر شهرة، مثل نظرية الاحتمالات إلى أسرار ألعاب الكازينو. ويشرح المؤلف أيضا ما يسميه «الأساس العصبي لقدرة الإنسان على استخدام الأرقام».
وإذا كان المؤلف يؤكّد أنه لا يريد تقديم كتاب في تاريخ الرياضيات، فإنه يبدأ بتقديم نبذة تاريخية عن دور الأرقام في تقدّم المسيرة الإنسانية كلّها. ويؤكّد قبل كل شيء أن الهنود قاموا باختراع «الصفر»، الذي شكّل مساهمة فكرية هائلة، كان لها أثرها على التاريخ الإنساني كلّه.
ويعتبر اليكسي بيللوس أن فيثاغورس، عبقرية الهندسة الكبير وصاحب النظرية الشهيرة باسمه، كان يترأس مجموعة من التابعين والمريدين الذين كانوا يمارسون طقوسا وعادات غريبة، مثل الامتناع عن أكل حبّات الفول المستديرة والسوداء. وفي اليابان كان الأطفال الموهوبون يتدرّبون على تصوّر أحداث خيالية تسمح لهم القيام بعمليات جمع أرقام كبيرة جدا.
في الفصل الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان «أرقام تملأ الرأس» يحاول المؤلف البحث عن أصول الأرقام، مؤكّدا في البداية أن تاريخها ليس طويلا كثيرا. ويؤكّد أنه «ليس هناك من يعرف ذلك بالدقّة، ولكن يسود الاعتقاد أن عمر الأرقام لا يزيد على عشرة آلاف سنة»، كما نقرأ .
ويتم تحديد القول في هذا السياق إن المقصود هو «منظومة الكلمات والرموز التي تدلّ على الأرقام». وهناك نظريات تعتبر أن ظهور الأرقام ارتبط مع ظهور الزراعة والتبادل التجاري. وذلك أنه غدا من الضروري استخدام الأرقام كأداة لابدّ منها، من أجل القيام بــ «جرد» محتويات المستودعات من السلع. وبالمقابل يشير المؤلف إلى أن مفهوم الكميّة سبق كثيرا اختراع الأعداد.
ويقول في هذا الصدد: منذ عشرات آلاف السنين، وقبل وصول الأرقام بفترة طويلة، لا شك أن جدودنا امتلكوا حساسية مؤكّدة حيال مفهوم الكميات. و في البداية كان من السهل التفريق بين واحد واثنين وثلاثة، لكن كانت الأمور «تتعقّد» اعتبارا من الأربعة. ويحمل الفصل الثاني عنوان «الحساب دقيق» ويكتشف فيه المؤلف ما يسميه «استبداد الرقم 10». وهو يشير إلى أن الغرب تبنّى منذ آلاف السنوات منظومات للحساب تعتمد قاعدة الـ 10، أي ما يعادل عدد أصابع اليدين.
اعتبر البعض آنذاك أن مثل هذا النظام على اعتبار أنّه يعبّر عن «الناس البسطاء والريفيين»، على أساس أنهم عاجزون عن استخدام شيء آخر غير أصابعهم، كما ينقل المؤلف عن شارل الثاني عشر ملك السويد.
ومنذ عام 8000 قبل الميلاد تقريبا، أصبحت تُمارس في العالم القديم، عملية العدّ عبر رسم خطوط شاقولية على قطع صغيرة من الفخار للدلالة مثلا على عدد الأغنام التي يتم بيعها أو شراؤها. واختلاف القطع الفخارية كان يتناظر مع عدد الأشياء أو مع الأشياء التي تُراد الدلالة عليها. وبالاعتماد على تلك الطريقة غدا من الممكن حساب عدد الخراف دون أن تكون حاضرة «واقعيا». ويشير المؤلف إلى أنه في القرن الرابع قبل الميلاد، طوّر السومريون طريقة التعبير عن العدد، عبر رموز متباينة في الشكل والحجم.
ولكن اقتصرت الرموز عامّة على الأعداد 1 و10 و3600، أي ما يعني أنه تمّ تبني المزج بين العشرة والستين. وتبنّى البابليون القاعدة السومرية، وكانوا وراء الإنجازات الكبيرة في مجال الرياضيات، وتبعهم المصريون ثم اليونانيون الذين أسسوا نظام حساب الزمن على أساس المنظومة البابلية.
وهذا يفسّر أن الدقيقة تحتوي على 60 ثانية والساعة على 60 دقيقة، كما هو معمول فيه حتى اليوم. والإشارة أيضا إلى أن هذا النظام لا يزال عصيا إلى حد كبير على الشرح. وكانت فرنسا الثورية قد أعلنت رغبتها في تسعينات القرن الثامن عشر، في الانتهاء من ذلك النظام الذي رأته متعارضا مع النظام العشري. ومن الأفكار التي تتردد في الكتاب تأكيد مؤلفه أن الحقائق الرياضية لا تخضع أبدا لتأثيرات الثقافة والموقف الإيديولوجي. وينقل عن «وينستون سميت» بطل رواية جورج أورويل الشهيرة، التي تحمل عنوان «1984» قوله :
الحريّة هي حريّة أن تقول إن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة. ذلك على أساس أن هذه العملية الحسابية هي دائما صحيحة، في الاتحاد السوفييتي السابق (الاشتراكي)، مثلما هي الحال في العالم الغربي (الرأسمالي)، وفي الأمس كما في اليوم.
ويحكي المؤلف في بعض فصول الكتاب، عن زياراته إلى الهند وألمانيا، ويتعرّض للبحث في عالم الأرقام في الصين والبرازيل وغيرهما. ومما يرويه المؤلف هو أن الأرقام العربية سهّلت كثيرا العمليات الحسابية للجميع. واعتبر أنها كشفت عن واقع أن بعض الأفراد يمتلكون قدرات خارقة في العمليات الحسابية. الأمثلة التي يتم تقديمها بهذا الصدد كثيرة، وإذ إن بعض أصحابها لا يكادون يعرفون القراءة والكتابة.
وهكذا كان العامل الزراعي المدعو، جيديا بوكستون، من بلدة ديربيشاير البريطانية، والذي اصطحبوه ذات يوم من عام 1745 إلى لندن، لامتحان قدراته الحسابية. لقد اقتادوه إلى رؤية مسرحية «ريشارد الثالث»، لشكسبير الأمر الذي أثار ضجره الشديد إذ كان مصابا، كما يشير المؤلف، بـ (التوحّد). لكن ذلك لم يمنع الفتى من أن يقول لمضيفيه إن الممثلين قاموا بـ 5202 خطوة راقصة، ولفظوا 14445 كلمة.
الكتاب: مغامرات اليكسي في بلاد الأرقام
تأليف: اليكسي بيللوس
الناشر: بلومسبيري لندن 2010
الصفحات: 448 صفحة
القطع: المتوسط
Alexصs adventures in numberland
Alex Bellos
Bloomsbury publishing- london- 2011
448 pp.
