يرصد الكتاب ماهية الأبعاد الحركية والتصويرية التي تتعين في الموسيقى الجديدة، وذلك خصوصاً في حقل إبداع المسرح الشعري. ويشرح مؤلفه، د. نادر عبدالخالق، مدى دور وأهمية حرية إسهام وإبداع الرواد في المجال، في التنقل بين الوحدات الإيقاعية والتفعيلات والأوزان الموسيقية، بإنتاج أعمال عدة، استوعبوا فيها حركة المجتمع وانتقالاته السياسية والاجتماعية والفكرية.

واستطاعوا أن يقدموا أشكالاً مسرحية متنوعة تبدو فيها روح العصر وتحولاته الفنية المختلفة، هذا بجانب المسرح النثري، والذي بدأ بمسرحيات فرح انطون ومحمد تيمور، إلى أن وصل إلى توفيق الحكيم، ومن بعده يوسف إدريس ونعمان عاشور وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ورشاد رشدي، ولطفي الخولي، وغيرهم من الذين أسسوا لركائز نهضة مسرحية متطورة.

ويسعى الكتاب، إلى بحث وتحليل رؤى الشاعر محمود الديداموني كنموذج في هذا السياق، من خلال مسرحية "مرايا الوهن"، حيث يؤكد أن الاهتمامات الموضوعية للمسرح انحصرت سابقاً في القضايا الاجتماعية، بمختلف اتجاهاتها السياسية والدينية والإصلاحية. واستلهم الكتاب الشخصيات الدينية والتاريخية والتراثية في تحقيق المعالجة البطولية بواسطة الدلالة الرمزية تارة والدلالة المباشرة تارة أخرى، بهدف التقريب بين الواقع وبين حالاته المتناقضة، ونتج عن ذلك أن الموضوعات انحصرت في دلالتها الأولى.

وجاءت الشخصيات محملة بآراء كتابها من جانب التركيز على القضية والدلالة الفكرية التي يطمح لها الكاتب والشاعر في العديد من الأعمال، وأدى ذلك إلى وجود فلسفات عديدة تعكس مدى ثقافة الواقع وامتداد التيار المحافظ في بناءات المسرح، والانشغال بمدى التوظيف التأثيري في مواجهة القضايا والمشكلات في المراحل والتقلبات التي شهدتها البلاد العربية في القرن الماضي، بداية من مناهضة المستعمر والبحث عن الحرية وصولاً إلى تحقيق النزعة الوطنية والتفرد الشخصي والإنساني والاستقرار الاجتماعي.

ويشير المؤلف إلى انه، وفي الثلث الأخير من القرن الماضي، جاءت الأفكار المسرحية مقترنة بتطوير الأداء والتفاعل النفسي والوجداني المباشر، من خلال الوسائل المسرحية المساعدة، التي تتركز في الضوء والصوت والموسيقى وغيرها من العوامل التي يشترك فيها الكاتب، مع بقية العناصر الأساسية التمثيلية الأخرى.

وأصبح الأداء المسرحي مرتبطاً بتلك الدلالات، ومتعلقاً بتوظيف هذه الوسائل الفنية وقدرة الكاتب على المواءمة بين النص، كدلالات تعبيرية، والاستفادة من هذه الوسائل، دون أن يتراجع النص أو تتخلف الفكرة لتصبح حواراً فنياً تكنولوجياً يستقطب المشاهد بعوامل الإبهار المتطورة.

وربما يجد المسرح الشعري الغنائي في ذلك التوظيف، قدرة على تنامي الفكرة موسيقياً، والتفاعل مع درجات الصوت والاستفادة من قدرة الشخصية التمثيلية في الأداء الحركي والصوتي، وذلك لوجود الضوابط الإيقاعية والتصويرية في سياق التعبير والتركيب.

ويلفت الكاتب، في تحليله لمضمون مسرحية "مرايا الوهن"، إلى انه تتعدد الملامح الفنية والموضوعية، تبعاً للمتخيل النفسي الذي يقوم على استعارة التراث ومواجهة الواقع، في محاولة لبعث إشكالات الحياة المعاصرة، والوقوف على تناقضات الفكرة الاجتماعية الرمزية التي تتواصل مع بعضها البعض، وتقدم الحقائق السياسية والاقتصادية والفكرية، المتعلقة بقضايا الواقع والشخصية المعاصرة ودورها في الحياة، إذ يقوم الرمز التصويري بدور مهم في بناء الفكرة المسرحية.

وفي تشكيل الدافع الموضوعي للتجربة في النص. واعتمد الكاتب في بناء فكرته على قضية الصراع النفسي والتاريخي والتراثي للشخصية المصرية في مراحلها البعيدة والقريبة، متخذاً من النيل ومنزلته وشهادته، وسيلة رمزية مباشرة تمتد بامتداد الشخصية، وتشهد على تطورها وانتقالاتها الفكرية والحضارية المختلفة، وتصف تراجعها وانهيارها وتوقف مدها وعطائها دون تفسير أو تلميح.

ويؤكد عبدالخالق، في خلاصة بحثه ومناقشته الموضوع المطروق، ان البحث في مدلول العنوان والصورة الخارجية والداخلية، يمثل في سياق دراسة من هذا النوع، ضرورة محورية في عملية التحليل النقدي والنظر في قضية الشخصية، وفى فض مكنونها المركب من الحقيقة التاريخية والتراثية، وأيضاً من الدلالة المعاصرة التي يبحث الكاتب في توصيفها والوقوف على أهم ملامحها، بغية الوصول إلى قراءة حقيقية مباشرة للفكرة المشتركة بين العطاء في مفهومه العام، والذي جاء النيل مرادفاً له، وبين التوقف والانهيار، ليس على مستوى الفرد.

وإنما على عدة مستويات اشترك فيها النيل كحقيقة ورمز، مما يجعل الصورة المسرحية مركبة لا تشمل التأليف المسرحي فقط، وإنما تشمل التحليل والبحث في أصول الماضي البعيد، وفى معالجة الشخصية المعاصرة، واشتركت في هذه الرؤية عناصر مسرحية عديدة، أهمها: الشخصية وضمير الكاتب الذي يمثل حلقة الاتصال بين النص والتجربة، مما جعل محاولته وبحثه في أصل الفكرة والقضية المثارة، دلالة فنية توافقت فيها القضية وطريقة المعالجة.

 

 

 

 

 

الكتاب: آفاق المسرح الشعري المعاصر «مرايا الوهن» للشاعر محمود الديداموني دراسة تطبيقية

تأليف: د. نادر عبدالخالق

الناشر: العلم والإيمان

للنشر والتوزيع 2011

الصفحات: 186 صفحة

القطع: المتوسط