إن هذا الكتاب تأخر إصداره كثيرًا، وكان يرى صاحبه أن المرء ليس وحده من يملك سيرته الذاتية، بل تشاركه فيها أطراف كثيرة ربما تفوق الحصر، ممن شاركوا في تربيته وتثقيفه وإنضاجه.
وكان لهم الفضل فيما آل إليه، ومن ثم فإنه ليس من حقه أن يتكلم بلسانهم، كما أنه لا يستطيع أن يكون محايدًا في نقل وجهات نظرهم.. ويشاء الله أن يستجيب كاتبنا الذي رحل أخيراً عن عالمنا للطلب الذي ألح عليه فيه، مثقفون ودارسون ونقاد، ليدون سيرته الذاتية، في كتاب جاء تحت عنوان "أنس الحبايب".يستهل الأديب شلبي كتابه، في الحديث عن أولى محطات سيرته مدرسة عبد الله النديم عام 1941.
حيث مشروع مقاومة الحفاء، والذي باعت أمه من أجله بطة كانت مرشحة للذبح، على أمل أن تفي وزارة المعارف بوعدها، وفي طرفة منه يعلق على ذلك: "..رغم حزني الشخصي على البطة إلا اني صرت مزهوًا بأني دفعت القرش قبل كثيرين غيري، لم يقتنع أهاليهم بعد، بأن الحكومة من الممكن أن يأتي من ورائها رجاء".
ويذكر المؤلف انه كان حسن الزيات، ناظر المدرسة، وهو تميز بأنه ذو شخصية وقورة يخشاها التلاميذ. وأيضاً يحكي عن محمود مهدي، فراش المدرسة. ويستعرض شلبي لحظة استلام الكتب الجديدة وموعد الغذاء بعد دقات جرس الفسحة. جميعها شخصيات ومواقف يستدعيها شلبي من ذاكرته، ولكنه يتوقف مليًّا عند ناظر المدرسة الجديدة، الشيخ عبد الباري عباده، ويصفه بأنه كان معلمًا بالسليقة، مبينًا كيف كان يشرح لهم في لهجة ودودة تشعرهم بأنهم صاروا رجالاً مثله، فيجالسهم على مصطبة داره.
وينتقل شلبي من الحديث عن الشيخ عبد الباري، إلى الحديث عن جيل بأكمله من الأزهريين وإلى ظاهرة طيبة شغلته منذ الصغر، وهي أن كل عائلة في البلدة لها شيخ، وسبب ذلك من وجهة نظره، إشعاع الشيخ محمد عبده الذي كان ولايزال، حينها، حاضرًا بقوة. ويقول شلبي في حديثه عن الشيخ محمد زيدان:
"ما كان لي أن أصير كاتبًا لو لم يكن الشيخ محمد زيدان عسر، أحد أهم الشخصيات التي عمرت بها".ولم تخلُ بدايات الكاتب خيري شلبي، من محاولات نظم الشعر والزجل، وكان معجبًا بأشعار بيرم التونسي، وقاده ذلك للتعرف إلى الشاعرين صلاح جاهين وفؤاد حداد. وأخذ يكتب القصائد بالفصحى، وأيضاً أزجالاً وأغنيات. وفي غير إطار الشخصيات والمواقف المؤثرة، يحدثنا عن الفلكلور والتراث الشعبي والأسطورة من واقع نشأته في قريته البسيطة "شماس عمير"، في محافظة كفر الشيخ، ويقول: "
الأسطورة هي زبدة الحلم البشري مصاغًا في عمل فني، في حدوته أبطالها إنس وجن وحيوانات وحشرات وغابات وأنهار وبحار وسماوات لانهائية". ويقول عن الفلكلور إنه متاع إنساني خاص تقوم عبقريته النظرية على التوازن المذهل بين التشخيص والتجريد.
ويعرفنا شلبي على واقع مهم، في ظل حديثه عن قريته، فيتطرق الى واقع استفحال حضور وانتشار الشعوذة وفتح المندل فيها، خلال تلك الفترة، فكان يهرع أهل القرية إلى العرافين بمجرد وقوع حادث سرقة في بيت بسيط أو متجر كبير. وفي آخر فصول الكتاب، يذكر شلبي نصيحة علقت بذهنه من أستاذه محمد إبراهيم الأنصاري، مدرس مادة الإنشاء، وهي :
"أنصحكم إذن بتحرير أذهانكم من التفكير القسري الجبري المتعمد؛ لأنه تحت هذا الضغط لا ينتج إلا أفكار مصطنعة لا حيوية فيها، بل ولا رشد، أما إذا أطلقتم سراح الذهن على سجيته، منطلقًا من البديهيات المحسوسة، فإنه عندئذٍ مجبول على التطور والتوهج والإيغال في الأعماق البعيدة...".
الكتاب: أنس الحبايب
تأليف: خيري شلبي
الناشر: الهيئة العامة للكتاب 2011
الصفحات: 415 صفحة
القطع: الكبير
