«مم يتشكل ويتألف الكون؟ وهل سينتهي ذات يوم؟ وما هي آلية عمل ما يسمّى بالثقوب السوداء؟ وهل نحن وحدنا الموجودون في هذا الكون الشاسع؟ هذه الأسئلة وغيرها، يحاول جان بيير لوميني، الأخصائي المعروف عالمياً في مجال علم الفلك والكاتب والشاعر الفرنسي، الإجابة عليها في كتابه الجديد :"إشراقات، الكون وعلم الجمال".

تكمن الملاحظة الأساسية الأولى التي يركز عليها المؤلف، في التأكيد على أن المسائل المتعلّقة بالكون تقودنا دائماً إلى ما هو إنساني. فلماذا إذن لا تتم مقاربتـــــــــها بواسطة الشعر والمخيّلة؟ كما يسأل المؤلف. ثمّ يناقش بعد ذلك مسائل عدة، مثل: المفهوم النسبي والثقوب السوداء.

ويعود المؤلف في بحثه عن الكون وأسراره، إلى كتابات المفكرين والفلاسفة القدماء الكبار، من أمثال أرسطو ونيوتن وبرونو وغيرهم. ويروي أنه "وقع في غرام" علم الفلك منذ سنوات طفولته، عبر التأمل في سماء بلدته الصافية. لكنه، وعلى عكس السواد الأعظم من زملائه المهتمين، بعلم الفلك وقوانين الطبيعة، لا يتردد في الاعتراف بأنه لا يحب مراصد المراقبة الفلكية، تلك الأمكنة التي "لا تجري فيها أشياء هامّة كثيرة".

يشمل الكتاب عدداً من المقالات والآراء العلمية التي كان المؤلف قد كتبها، خلال العقود الثلاثة الأخيرة المنصرمة، أي ما يعني أنه يحتوي على تاريخ 30 سنة من تاريخ الكون الذي نعيش فيه. ثم لا يخفى على أحد أن الإنسان بدأ مسيرته في اكتشاف الكواكب والمجرّات منذ فترة طويلة، وبالتالي لا بدّ أن يكون بالضرورة "شاعراً وفناناً"، إلى هذه الدرجة أو تلك، كما يشير المؤلف ضمناً في العنوان الفرعي للكتاب.

الناس يستطيعون تأمّل الكون الذي يحيط بهم، لكنهم لا يعرفون سوى القليل من أسراره. ومؤلف الكتاب يستهويه الذهاب أبعد من ما يراه. ويقول في هذا الصدد:"جذب اهتمامي دائماً ما لا تمكن رؤيته. وبالتالي حاولت فهم الهيكلية الخفيّة للكون.

وقد كتبت في مكان ما أنه ليس الكون، بما هو عليه مصدر فضولي، ولكن بما قد يمكن أن يكون عليه". ومن الواضح أن المؤلف يولي أهمية استثنائية للعقل الإنساني الذي يمكن أن يذهب أكثر، ويغوص أعمق في سبر أعماق الكون بكل كواكبه ومجرّاته، من جميع أدوات البحث ومناظير مراقبة لكون وحركة منظوماته. ويوضح المؤلف ماهية هذه الحقيقة:"

لا يمكن للمرء إلاّ أن تعتريه الدهشة أمام جمال نجمة لحظة تشظيها. ولا شك أن الدراسات التي يقوم فيها علماء الفلك، ذات أهمية قصوى لا يمكن تجاهلها. لكن يتولاّني الإحساس باستمرار، أن نظرة العقل يمكن أن تذهب إلى عمق أكبر في عملية فهم أسرار الكون، بالقياس إلى ما يمكن أن تحققه المناظير المقرّبة".

ويحاول المؤلف، بالاعتماد على أشياء بسيطة يعرفها البشر في حياتهم اليومية، مثل كرة رياضة الغولف، أن يشرح ويُدخل إلى الفهم آلية مسارات الثقوب السوداء. وكذلك يحلل بالقدر نفسه من البساطة والتقريب إلى الذهن، مفاهيم صعبة متنوعة، مثل: النسبية والمجرّات. وأيضاً الميكانيك الكوانتي الذي وصفه بأنه "متفجرات ـ ديناميت ـ الفضاء".

وكذلك عدة أطروحات في علم الفلك. ولا يخفي أن متعته الكبرى هي في مشاركة الآخرين له، محاولة فهم أسرار الكون التي تثير شغفه. ويُبدي جان بيير لوميني غضباً شديداً حيال النظام التربوي الحالي في بلاده، فيما يتعلّق بتدريس العلوم. ذلك أن هذا النظام لا يشحذ فضول الطلبة و"لا يفتح شهيتهم" لتلقي المعارف العلمية. ويعلن في السياق نفسه عن أسفه من كون أن الفروع العلمية لم تعد تولي الأهمية لتعليم فيزياء انشتاين.

ويقول في هذا الصدد:"حتى لو أنه لا يزال هناك أساتذة شغوفون لحسن الحظ، فإن البرامج القائمة تكبح عملهم. المطلوب، أن يفهم الطلبة عظمة البحث العلمي". ويضيف:" هناك طلاق واضح بين العلم والثقافة، في كل مكان. وقادتنا ـ من رجال السياسة والفكر ـ لا يعرفون سوى النذر اليسير من العلوم.

هذا في الوقت الذي تحمرّ فيه وجوههم خجلاً أثناء الحفلات العامّة، إذا أظهروا جهلهم في معرفة آخر صرعات السينما أو موسيقى البوب. وبالمقابل لا بأس من جهل فيزياء الجزيئات واخر الاكتشافات العلمية". وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يشرح بكثير من التبسيط، القضايا والمفاهيم العلمية الأكثر تعقيداً من أجل تقريبها من الجمهور العريض، فإنه يجد العديد من مرجعياته التي تؤكّد على الرابطة الحقيقية والمتينة بين العلم والثقافة.

وهكذا يحاول سبر أغوار العديد من الأعمال الأدبية المعروفة، منذ الأزمنة القديمة، وليس أقلّها شأناً الروايات التاريخية المكرّسة لقصّة بعض الاختراعات الكبرى، والتي ساهمت في دفع عجلة العلم والإنسانية إلى الأمام.

ويجد القارئ في هذا الكتاب المكرّس للعلم، بقلم أحد الباحثين المتعمّقين فيه، حديثاً مطوّلاً عن الأدب والأدباء، وحديثهم عن "عصا اقليدس" و"عين غاليلي غاليليو" و"سر كوبرنيك" . ويشير المؤلف إلى الدور الذي لعبه الكسندر دوماس، صاحب رواية "الفرسان الثلاثة" في دفعه نحو حثّ القرّاء على الاهتمام بتاريخ العلوم . يكتب:" لقد بحثت عن إثارة اهتمام قرائي بتاريخ العلوم بالطريقة نفسها، التي أثار فيها هذا المبدع شغفي للتعرّف على تاريخ فرنسا".

وتتمثّل إحدى الأفكار التي يردد عليها المؤلف في القول ان التمعّن في أسرار العلم وخوض غمارها، إنما هو قبل كل شيء رحلة في أعماق النفس الإنسانية. وهذا ما يعبّر عنه :" إنني استخدم تعبير الكون من أجل وصف الفضاء الداخلي لأعماق النفس الإنسانية". وما يؤكّده المؤلف في جميع الأحوال هو أنه يحاول إيجاد الروابط بين تاريخ الفنون والآداب.أمّا طريقته في العمل فيحددها:

"أنا رجل يطرح على نفسه أسئلة، ويحاول أن يقدّم عناصر الإجابة عليها، عبر مختلف أشكال المعرفة ومختلف طرق التعبير". وهكذا يوضح كيف أن الرسام الكبير فان كوخ، استلهم من أعمال كامي فلاماريون العلمية، من أجل أن يرسم لوحته الشهيرة التي تحمل تسمية "الليل المرصّع بالنجوم".

وعن مخاطر الحقبة الراهنة، يقول المؤلف:" إننا نعيش في حقبة تخاف كثيراً من المغامرة، وهذا أمر يثير رعبي إلى درجة كبيرة. ذلك أن يكون الإنسان صاحب مخيلة، يعني بالضرورة قبول المخاطرة في مواجهة الفكر الجاهز".

 

 

 

 

 

 

الكتاب: إشراقات الكون وعلم الجمال

تأليف: جان بيير لوميني

الناشر: اوديل جاكوب باريس 2011ا

لصفحات: 488 صفحة

القطع : المتوسط

 

Illuminations

Jean Pierre Luminet

Odile Jacob - Paris- 2011

488 p .