يتفق المحللون على أن الولايات المتحدة تعاني منذ بداية القرن الحالي، الحادي والعشرين، عدداً من التحديات الكبرى. هذه التحديات زادت حدتها وتعاظم خطرها خلال العامين الأخيرين. وهذا ما يشرحه أستاذ الفلسفة الأميركي في جامعات نيويورك اندرو برنستاين في كتاب يحمل عنوان: «حلول رأسمالية» الذي يعالج فيه ما يسميه «فلسفة من أجل المعضلة الأخلاقية الأميركية».

في البداية يحاول المؤلف أن يرسم لوحة للواقع الأميركي اليوم وتحديد التحديات التي يواجهها. ومن بين الرهانات الكبرى التي سترتسم على أساسها صورة المستقبل الأميركي يذكر المسائل المتعلقة بالبيئة، حيث إن الولايات المتحدة هي أكبر مصدر تلوث في العالم اليوم. ولكنها لا تزال تتردد في الانخراط في أي عمل جماعي عالمي للحد من التلوث ومن النتائج المترتبة عليه التي تشكل زيادة سخونة الأرض والتغيرات منها أكثرها إلحاحاً.

ومن الرهانات المستقبلية الكبرى بالنسبة للولايات المتحدة يحدد المؤلف الملف الصحي، مع الإشارة إلى أنه رغم التحسّن القليل الذي طرأ في هذا المجال بعد الخطط التي تبنّتها الإدارة الأميركية الحالية ونجحت في دفع الكونغرس للموافقة عليها، فإن «نوعية العلاج» لا تزال متدنية بالنسبة للسواد الأعظم من الأميركيين على عكس ما تتمتع به نسبة قليلة من أصحاب الامتيازات.

والنظام التربوي لا يزال يشكل إحدى المعضلات الكبيرة في الولايات المتحدة. خاصة أن هناك تنافراً كبيراً بين مختلف مكونات المجتمع الأميركي، حيث إن هناك نسبة كبيرة ممن يتحدثون ـاللغة الاسبانية الذين قدموا من بلدان أميركا اللاتينية القريبة وخاصة مع المكسيك ذات الحدود الطويلة مع الولايات المتحدة. هذا المكوّن المهم من الأميركيين يكاد يبدو كـجسد غريب، حيث ان المعنيين لا يتحدثون اللغة الانجليزية إلا بالكاد.

وتعاني الولايات المتحدة اليوم من نقص القدرة على المنافسة في الأسواق الدولية، خاصة أمام الصين كما تشير إحصاءات عدة. يضاف إلى هذا كله التهديد الذي يمثّله الإرهاب، وتعاظم تهديده منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 حيث أصبح الأميركيون يعيشون حالة من الهاجس الأمني المعطل للقدرات والكابح في العلاقة مع العالم.

أمام هذه التحديات والرهانات كلها يحدد المؤلف القول أن الحكومة الأميركية الحالية تدفع البلاد نحو تبني نمط اشتراكي في منظور البحث عن حلول للمشاكل المطروحة وإعادة تثبيت موقع أميركا المتقدم في العالم.

أما المظاهر والميول الأساسية التي يتبدّى فيها التوجه الأميركي الحالي نحو الاشتراكية فيجدها المؤلف في تزايد رقابة الحكومة على الحياة المصرفية وعمل البنوك. وبالتوازي مع هذا تنامي السلطة الحقيقية، أو على الأقل التي يتم السعي من أجل تجسيدها في الواقع، للحكومة على حياة المواطنين الأميركيين.

مثل هذه الآليات في الرقابة على القطاعات الاقتصادية ونشاطاتها عبر تدخل الدولة تعني برأي المؤلف، اقتراباً من الاشتراكية وابتعاداً عن الليبرالية التي تستدعي بالضرورة تهميش، وإذا أمكن إلغاء، دور الدولة في الحالة الاقتصادية للبلاد. ويذهب في نفس المنحى توجه الدولة نحو تحديد سقف للتبادل التجاري في العديد من الميادين، إلى درجة أن بعض المحللين والمعلقين يتحدثون عن نوع من الاقتصاد المخطط، أي حسب النمط الاشتراكي.

لكن بمقابل مختلف أشكال الهذيان الذي تقوم به حكومة الولايات المتحدة، يشير المؤلف إلى أن الحلول الفعالة تأتي من الطرف الأقصى بعيداً عن الطيف السياسي الاقتصادي بحيث يتم تحديده بـالحماية الكاملة لحقوق الأفراد وإفساح المجال كاملا لعمل الآليات الرأسمالية. أو ما يسميه المؤلف بـالحلول الرأسمالية. يكتب المؤلف: «إن حقوق الأفراد والأسواق الحرة تمثّل في جميع الحالات حلاّ للمشاكل التي تواجه أميركا».

المرجعية التي يعتمد عليها المؤلف يجدها في فلسفة تعتمد على ما يُسمّى بـالنزعة الموضوعية. ويرى أنها تقدّم الضمان الأخلاقي والفلسفي لحسن سير المبادئ السياسية ـ الاقتصادية الخاصّة بحقوق الأفراد والأسواق. ويتم التأكيد في هذا السياق أن تحليل المشاكل الخطيرة المطروحة اليوم في الإطار الفلسفي للنزعة الموضوعية يمثل الأمل الأكبر في إيجاد حلول بسيطة وعقلانية لهذه المشاكل.

ويكمن جوهر هذه النزعة، كما يتم تعريفها، بـ«الاستبعاد المقصود لكل المعطيات الذاتية وعدم الأخذ سوى بما تمكن السيطرة عليه بواسطة الحواس». أما المعنى الفلسفي للنزعة المعنية فيكمن في إعطاء الأولوية والامتياز لما هو موضوعي وليس لما هو ذاتي، أي الاعتماد على ما هو واقع وليس على ما ينتجه الذهن. ذلك على أساس أن بعض الظواهر وبعض الأشياء توجد، بعيداً عما يفكر به الآخرون.

إن مؤلف هذا الكتاب يشرح الكيفية التي يمكن بواسطتها إيجاد حلول للمعضلات الشائكة التي يواجهها المجتمع الأميركي اليوم. وذلك عبر ركيزتين أساسيتين. الأولى ترى أن القيم هي معنى الحياة والثانية أن الأخلاق هي ممارسة تلك القيم. والقيم التي يقصدها المؤلف هي بالدقة «القيم الرأسمالية» التي تعطي حلولاً رأسمالية. وهي تمثّل وحدها، كما يرى، أطواق النجاة بالنسبة للولايات المتحدة.

 

الكتاب: حلول رأسمالية.. فلسفة من أجل المعضلة الأخلاقية الأميركية

تأليف: اندرو برنستاين

الناشر: ترانس اكشن بوبليشر- نيويورك- 2011

الصفحات: 176 صفحة

القطع : المتوسط

Capitalist solutions

Andrew Bernstein

Transaction Publisher- New York- 2011

176 .p