الذئب هو رمز معروف للشراسة والغدر، لكن الأستاذ الجامعي الفرنسي جان مارك موريسو كرّس له العديد من كتبه ودراساته. وهو يكرّس له أيضا كتابه الأخير الصادر قبل أسابيع قليلة تحت عنوان: "الإنسان ضد الذئب".ولا يتردد المؤلف في القول ان "صراع الإنسان ضد الذئب عاشه البشر كمعيار لتقدم الحضارة". ذلك أنه بمقدار ما يمكن أن تعود الذاكرة إلى الوراء كان الإنسان ذئبا حيال أخيه الإنسان.

 كما أن الذئب مثّل في ذاكرة البشر ووعيهم ذلك الحيوان المتوحش الشرس الذي لا يتورع عن الفتك بالأغنام والأبقار وبكل ما يقع "تحت فكّيه". ذلك وصولا إلى الجدّة والطفلة الصغيرة، كما تقول الحكايات التي يسمعها الأطفال من الكبار.

ويشير مؤلف الكتاب الى أن حكايات الذئب ومدى توتر العلاقة بينه وبين الإنسان لا تقتصر على الروايات الشعبية ولكن تؤكّدها أيضا الإحصائيات والإجراءات التي اتخذها البشر طيلة المسيرة التاريخية الإنسانية لمكافحة وباء الذئب. كما تبيّن فداحة واستمرار المذابح التي قام بها الحيوان المتوحش. هذا ما يعبّر عنه المؤلف أن حربا مستمرة منذ 2000 عام تجابه فيها الإنسان والذئب.

وكانت السلطات العامة في العديد من البلدان الأوروبية قد تبنّت ترسانة قمعية لا مثيل لها لمحاربة الذئب. تتم الإشارة في هذا السياق أيضا أن الموقف من الذئب عرف الكثير من الخلافات. وإلى جانب اعتباره أنه العدو رقم واحد، العدو الأول للمجتمع، فقد شملت القوانين الكثير من الاستثناءات في التعامل معه. هذا وصولا إلى أنه غدا اليوم يحظى بالحماية القانونية في العديد من الحالات. ومن الحكايات المعروفة أن السويد استوردت مؤخرا ذئابا روسية من أجل تحسين نوعية الذئاب السويدية.

ما يؤكده المؤلف هو أن مسألة الذئب لا تزال مطروحة باستمرار حتى اليوم. وفي الوقت الذي يطالب فيه أنصار البيئة بضرورة إعادة الذئاب إلى الغابات، فإن جان مارك موريسو يقدّم من موقع المؤرخ، وبالاعتماد على معلومات مأخوذة من الأرشيف ومن شهادات عديدة، كشفا عن الضرر الذي ألحقته الذئاب بالبشر خلال القرون المنصرمة. ويؤكد بالتالي على ضرورة المساهمة في النقاشات الدائرة حول الموضوع. ذلك أنه على المؤرخ المشاركة في النقاشات الكبرى للمجتمع، وأن لا يترك الآخرين يتحدثون عن الماضي في مكانه.

ويسرد المؤلف في الكثير من الوقائع حيث انه أحصى أكثر من 3000 هجوم قامت بها الذئاب على البشر منذ القرن الخامس عشر حتى القرن العشرين. هكذا نقرأ عن جان بيغو، ابن الثامنة من العمر الذي التهمه ذئب ولم يتم العثور منه سوى على يد واحدة وبعض أحشائه (...) أما بقية جسده فقد سحبها الذئاب إلى أعماق الغابة". كان ذلك بتاريخ 20-02-1690.

ونقرأ أيضا أن "قس كنيسة بلدة لاتيلي دفن بقايا طفل في الثامنة من العمر كان ثامن ضحية لذئب خلال فترة ثلاثة أسابيع فقط". وذلك في شهر أبريل 1751. وإذا كان المؤلف قد ركّز في كتاب سابق له على توصيف "الذئب الشرس"، كما جاء في عنوانه، فإنه يركّز في هذا الكتاب على "الإنسان الشرس" في تصرفاته حيال الذئب و"ردود أفعاله" حيال الحيوانات المتوحشة بصورة عامة.

ويشرح المؤلف أن المجتمعات الإنسانية، وخاصة الريفية منها، اعتبرت الذئب عدوّا خطيرا. هذا خاصة أن المزارعين كانوا عامة رعاة بالوقت نفسه على خلفية اهتمامهم بتربية المواشي. وإذا كانت الأحصنة والثيران هي محرك الصناعة خلال الحقب القديمة، فإن الذئب كان وراء حالة الشلل التي أصابت نقل المواد الصناعية، من حديد وغيره، خلال سنوات 1800-1840 في منطقتي مايين وشير في فرنسا حيث كان يهاجم البغال والأحصنة التي تجرّ العربات.

لكن لفترة طويلة جدا بدا أن التعايش بين الإنسان والذئب أمر لا بد منه. ويحدد المؤلف وجود نوعين من الذئاب في هجومها على الإنسان. هناك أولا الذئب المصاب بداء الكلب والذي لا يختار ضحاياه بل يستخدم أنيابه ضد كل كائن حي يصادفه في طريقه. وهناك ذئب آخر يختار ضحاياه بين الكائنات الضعيفة، خاصة الأطفال بين سن الثامنة وسن الخامسة عشرة.

لعله من الهام الإشارة أن المؤلف يذكر في نهاية الكتاب 650 مصدرا ما بين الكتب والدراسات. وهذا كله في سبيل تقديم "رؤية حديثة وعصرية ومتأمّلة" لتاريخ علاقة الإنسان والذئب وأماكن تواجد ونشاط هذا الأخير في مختلف أرجاء أوروبا، وخاصة على الأرض الفرنسية.

وبكل الحالات بمقدار ما يتناقص عدد الرعاة يتناقص أيضا عدد الذئاب.ولا ينسى المؤلف أن يشير إلى أن حيوانا آخر يثير اهتمامه وهو الكلب، الذي رافق الإنسان طيلة حياته بأشكال مختلفة. وهو حيوان يكشف إلى حد كبير آلية تطور المجتمعات.

 

 

 

 

الكتاب: الإنسان ضد الذئب

تأليف: جان مارك مونسو

الناشر: فايار باريس 2011

الصفحات: 480 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Lhomme contre le loup

Jean Marc Monceau

Fayard - Paris- 2011

480 p.