بعد ظهر يوم 9 أبريل 1953 م، خرجت الشابة الإيطالية، ابنة الـ21 ربيعا، ويلي مونتيسي، من بيت أسرتها المتواضع في روما. تركت في ذلك اليوم العديد من أشيائها الخاصة ومن بينها بطاقة هويتها وبعض زينتها وصورة خطيبها، لكنها أخذت معها مفتاحها بما كان يعني بوضوح أنها كانت تنوي العودة إليه. وعندما لم تعد إلى المنزل في الساعة المعتادة، وبدا أن أيّاً من معارفها لم يرها، اعترى أهلها القلق ووجدوا أنفسهم مدفوعين لإخبار الشرطة بعدم عودة ابنتهم.
بعد يومين، وبالتحديد يوم 11 أبريل، وجدوا جثتها ملقاة على شاطئ قرية للصيادين اسمها تورفاتيكا، على بعد حوالي 20 ميلاً من العاصمة الإيطالية روما. قال التقرير الطبي إن الفتاة توفيت غرقاً، لكن بدا آنذاك أن هناك عدة مؤشرات تدلّ على أنها فقدت الوعي قبل نزولها إلى الماء. ولم يكن على جسدها عند اكتشافه جثة هامدة سوى نصف ثيابها.
عبر تلك القضية وملابساتها وخبايا التحقيقات يقدم المؤرخ ستيفن غوندل كتاباً تحت عنوان: "الموت والحياة الجميلة"، يشرح فيه الجانب المظلم لروما خلال سنوات الخمسينات. كما يقول العنوان الفرعي. ويشرح فيه كيف أن موت فتاة محترمة من أسرة متواضعة كان مؤشراً على أجواء الدسائس والمؤامرات، التي كانت تحاك في كواليس السلطة، آنذاك.
بعد أقل من أسبوع من وفاة الشابة مونتيسي عقد رئيس شرطة روما مؤتمرا صحفيا أعلن فيه إغلاق الملف بعد استبعاد كل الاحتمالات المثيرة للشبهات أو الانتحار لصالح أطروحة الغرق عرضاً.
ثم جرى مباشرة دفنها في مقبرة "فيرانو"، دون نسيان إقامة القداس الكاثوليكي قبل الدفن.أرادت الشرطة إسكات كل الإشاعات لكن الصحافة لم تتراجع وكثرت التساؤلات حول كيفية العثور على فتاة شابة على شاطئ إحدى القرى ودون نصف ثيابها.
ثم ذهبت الشائعات أكثر وحامت حول ابن أحد قادة الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم آنذاك، كان المقصود هو اتيليو بيشوني، نائب رئيس الحزب. ويكتب ستيفن بهذا الخصوص أنه لم يكن هناك أي حزب سياسي في العالم يمكن أن يكون أقل عرضة للشبهات بإثارة مثل تلك الفضيحة. الابن المقصود هو بييرو، عازف الجاز، الذي لم يكن عضواً في الحزب المعني.
مصادر المعلومات كلها يحددها المؤلف بشابة اسمها آنا ماريا كاغليو، ابنة محامٍ من ميلانو، كانت قد جاءت إلى روما بأمل أن تصبح ممثلة سينمائية فغدت صديقة المدعو مونتانيا.
وعرفت من ذلك الموقع أن صديقها قد جمع ثروته من تجارة الأبنية شبه المشروعة ومن تجارة المخدرات. ذلك في ظل نظام موسوليني الفاشي والاحتلال النازي ثم الديمقراطيين المسيحيين. ووصلت سطوته إلى درجة أنه اعتبر نفسه فوق جميع القوانين. وقد كان فوق كل القوانين، يقول مؤلف الكتاب.
إن قضية تلك الفتاة وما عرفتها من ملابسات وما جرى جمعه من براهين ضد مونتانيا وبيشيوني ورئيس شرطة روما الذي أغلق بـصورة مبكّرة ملف القضية، يلخصه مؤلف الكتاب بالقول إنها كانت تعبيراً عن واقع الحياة في روما خلال سنوات الخمسينات من القرن الماضي.
ذلك أن الحكم بتلك القضية كان يعني الأخذ بكلام مجموعة من أصحاب الثروة وذوي العلاقة الوثيقة مع أصحاب النفوذ، أو الأخذ بشهادات مجموعة من الفتيات اللواتي تعرّضن للاستغلال الجسدي. بتعبير آخر كانت القضية تتعلق بأقوياء ضد ضعفاء. وكان الحكم هو بـتبرئة الرجال الثلاثة، الأقوياء.
ومن خلال تلك القضية أيضا يقوم المؤلف بتشريح الجانب المظلم من روما في منتصف القرن الماضي وكشف شبكات النفوذ الخفيّة. والتأكيد أن الدولة الإيطالية حاولت تثبيت الديمقراطية في الشكل، ولكن بدرجة قليلة جداً في المضمون.
ذلك أنها لم تنجح تماما في تجاوز إرث الفاشية المسموم والاحتلال الأجنبي والحرب الأهلية. ونقرأ: "إن الانتقال من الدكتاتورية إلى الفاشية جرى بسرعة مفرطة بحيث إن العادات القديمة لم تمت أثناء ذلك المرور".
الكتاب: الموت والحياة الجميلة
تأليف: ستيفن غوندل
الناشر: كانوغيت بوك نيويورك 2011
الصفحات: 350 صفحة
القطع: المتوسط
Death and the dolce vita
Stephen Gundle
Canogate Books- New York- 2011
350 p .
