يستهل مؤلف الكتاب، الدكتور حسين جمعة، أبحاثه، مشيراً الى انه عادت القدس إلى أصحابها الأصليين في العهد الراشدي، بعد أن مثلت للعرب والمسلمين فلسفة الرؤية الموحدة للأديان التي تعبر عن وحدة الالتقاء بين السماء والأرض، علماً أنها كانت تمثل لديهم القبلة الأولى، وحاملة لاسم بيت المقدس، وضامّة لأقدس البقاع لديهم، مثل: (المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبيت لحم وكنيسة القيامة)، وهي مكان معراج النبي حيث التقت الأرض بالسماء، وما يوحي بأنها مدينة تختزن كلّ قيم القداسة. ويبين المؤلف انه عندما غزا نابليون بونابرت مصر، أصدر نداء إلى اليهود في ( 22/2/1799 )، دعاهم فيه إلى القتال معه، من أجل استعادة القدس وتسليمها لهم، وكان هذا النداء هو المحاولة الأولى لاستيطان اليهود في فلسطين عن طريق تهجيرهم إليها.

ويختار جمعة التطرق الى حيثية خاصة، يشرح فيها كيف انه حين ربحت بريطانيا شؤون اليهود، طفقت تستغل الدعوة الصهيونية لتحقيق مآربها على حساب فرنسا، كما جرى في لندن عام 1840، فضلاً عن تأسيس " الجمعية البريطانية الأجنبية"، للعمل على إرجاع الأمة اليهودية إلى فلسطين في عام 1844 م.

ولا يغفل المؤلف هنا التأكيد على أنّ الصهاينة لا يعرفون إلا ممارسة اقتلاع الآخر من أرضه قسراً، وبرهان ذلك، يوم تسللوا إلى أرض فلسطين تحت جناح الاحتلال البريطاني، فبنوا أوّل مستوطنة صهيونية عام 1898، ثم انطلقت المقاومة من القدس عام 1920 إلى بقية المدن الفلسطينية لمواجهة المحتل البريطاني والصهاينة الذين بدؤوا يبنون مستوطنات لهم في القدس وغيرها.

إنّ ما تعيش فيه القدس من سيطرة الاحتلال الصهيوني يجعلها مدينة مغلقة، لتصبح مدينة مهوّدة في عام 2020، وفق الوثائق الصهيونية السرية لهدم البيوت، فقد أصدر رئيس بلدية القدس أمر هدم في القدس في حيّ العباسية من منطقة سلوان خلال الأشهر الثلاثة ( 1/2/2008 28/2/2009 )، ولم يكتف بذلك، بل تقدم بلوائح اتهام وطلبات لهدم /100/ منزل أخرى.

ويلمح المؤلف الى انه هناك اتفاق كامل بين الإدارات الأميركية والصهيونية على تأخير حلّ مسألة القدس حتى لا يبقى منها شيء للعرب، عدا عن نتف من القدس الشرقية ومساحتها 11.48 في المئة، من القدس كلها. إنّ الصهاينة يقيمون حزاماً استيطانياً في المدينة القديمة حول المسجد الأقصى.

وصولاً إلى الحرم القدسي، بحثاً عن هيكل سليمان المزعوم ولإعادة بنائه، وهذا الحزام سيغير تاريخ المدينة، فضلاً عن تهويدها، ذلك وفق أكاذيب توراتية خرافية حول ذلك الهيكل. ولهذا كلّه لا نعجب حين يزعم الصهاينة أنّ هيكل سليمان يقع تحت الحرم القدسي في المسجد الأقصى، اذ حاولوا استهدافه بشتى الطرق. وقد زعم دافيد بن غوريون أنه: "لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل". ويلفت المؤلف الى أنه كشفت مؤسسة الأقصى أنّ الصهاينة يشقون نفقاً تحت حي سلوان.

وهو يتجه إلى المسجد الأقصى، ويرتبط بعدد آخر من الأنفاق. لهذا كلّه ذكر موقع "قدس نت" على لسان يعقوب عودة، مراقب حقوق الإنسان والسكن، أن ما بقي للمقدسيين من مساحة القدس لا يكفي للتنمية ولا للإسكان، وأشار إلى وجود 29 مستوطنة صهيونية داخل وعلى حدود مدينة القدس، تضم 90 ألف وحدة سكنية.

إضافة إلى عشرات البؤر الاستيطانية، فالقدس اليوم يحكم عليها بالموت، وتسير فيها الآلام والعذابات بعد أن سار فيها السيد المسيح على طريق الآلام. وعلينا أن ندرك جميعاً أن الصهيونية لم تعد خطراً على مدينة القدس وفلسطين، بل على العرب والبشرية كلها. وفي المقابل تعدّ الكثافة السكانية في قطاع غزة من أعلى النسب السكانية في العالم، فهذه المساحة الخانقة غدت سجناً لأهلها (تبلغ مساحة القطاع نحو 2364 متراً )، في حين لا يتجاوز عدد السكان مليوناً ونصف المليون.

وكذا بلغ عدد المجازر التي ارتكبها الصهاينة بين عامي 1937 و2002 ، 77 مجزرة. وما من أحد يجهل اليوم أنّ منظمة "أصدقاء الإنسان الدولية" أصدرت تقريراً مفصلاً عن تدمير دور العبادة والمدارس، بما فيها مدارس وكالة الغوث "الأونروا"، فضلاً عن المنازل والمزارع. وهذا ما يتجلى في العدوان الوحشي الصهيوني على غزة، يوم السبت 27/12/2008 ، وما جاء بعده من تدابير صهيونية، إنه لم يكن مجرّد اعتداء على الوجود والحياة والكرامة.

لذلك اعتمد الصهاينة سياسة الأرض المحروقة وتجريف الأرض وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية. ويشدد المؤلف، في خلاصة ايضاحاته حول موضوع بحثه، على أن هذه الدراسة تسعى إلى استخلاص العبر والدروس من العدوان الصهيوني على غزّة لتصنع الصورة الكبرى لعملية تغيير كبرى في الموقف الرسمي العربي والشعبي على السواء، وتبني ثقافة المقاومة بوصفها حتمية وصيرورة وجودية للوصول إلى الحرية والسيادة والكرامة الإنسانية.

 

 

 

 

 

الكتاب: من القدس إلى غزّة

تأليف: أ. د. حسين جمعة

الناشر: منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2010

الصفحات: 173 صفحة

القطع: المتوسط