يقسم المؤلف د. راكان الصفدي، أبحاث كتابه الى إلى أبواب ثلاثة، ففي الباب الأول (الفن القصصي من الشفوية إلى الكتابة)، يسلط الضوء ضمن فصله الاول، على (القصة الشفوية من الجاهلية حتى عصر التدوين )، اذ يبحث فيه الظاهرة الشفوية في القص، وأنواع القصص في الجاهلية.
وفي الإسلام وأثر القرآن الكريم والسيرة النبوية في تأصيل ظاهرة القص، لنصل إلى سمات عامة للقصة الشفوية. وأما في الفصل الثاني (القصة الكتابية حتى القرن الثالث الهجري ) فقد رصد الصفدي، حركة التدوين واستقرار النص الشفوي وحركة الترجمة والتأليف وأنواع القصص المدونة في هذه المرحلة .
(الفن القصصي في العصر العباسي والأندلسي حتى مطلع القرن الخامس للهجرة) هو عنوان الباب الثاني في الكتاب، حيث قسمه المؤلف الى فصلين، ففي (المؤثرات الخارجية في القصة ) يبحث المؤثرات الخارجية في السرد العباسي ، من أوضاع سياسية ترددت أصداؤها في القصة العباسية وظواهر اجتماعية وثقافية أسهمت، لا في القصة العباسية فحسب، بل في خلق بعض عناصرها وتطويرها .
واما الفصل الثاني في (الأنواع القصصية )، فألم فيه بالبحث ضمن موضوعة القصة الدينية والتاريخية. وأيضا: القصة الواقعية، القصة الرمزية، المقامة، القصة الفلسفية والنقدية، القصة الشعبية. وفي هذه الحقول، بحث الكاتب دلالات جملة القصص الاجتماعية والفكرية الخاصة، عارضا لأصداء العصر فيها .
ويتضمن الباب الثالث (الشكل الفني للقصة )، في الكتاب، ثلاثة فصول، ويستعرض الصفدي في اولها (من الخبر والمثل إلى القصة الفنية ) مسيرة القصة من شكلها الجنيني (الخبر القصصي)، ومن ثم المؤثرات اللغوية والأدبية في تطور الخبر إلى شكل القصة الفنية ذات الخصوصية العربية. وأما في الفصل الثاني (الأشكال القصصية ) فيقدم المؤلف نماذج من الأشكال العامة للقصة العباسي.
وهي: النادرة، القصة المشهدية، القصة الإطارية، القصة المسلسلة. وقام المؤلف بإضاءة كل نوع من هذه القصص، وربطه مع بنية الخبر الأساسية السابقة له. وطبق الصفدي في الفصل الثالث (بنية القصة)، مقولات علم السرد على موضوع بحثه، ولا سيما المقولات التي ركزت على القصة العباسية، فدرس : السرد، الخطاب السرد، والسارد الراوي، المؤلف الضمني، المسرود له، المخاطب السردي، الشخصية الحكائية، الزمن، الفضاء الحكائي.
وأجمل الصفدي آليات البحث في جملة تلك النقاط، دون أن يغفل خصوصية بعض الظواهر والعناصر العربية، كاستخدام الشعر على اساس انه عنصر أساسي في السرد، واستخدام السجع في لغة السرد، مبينا أنهما فنان إبداعيان عربيان، ولدا مع فن الخبر نفسه. وكذلك وقف البحث عند الفضاء الحكائي الذي هو مجموع الأمكنة التي تقوم عليها الحركة الروائية في سيرورة الحكي .
ونجد اصفدي يؤكد في كتابه، أن الحكاية الإطارية ذات جذور عربية، وليست هندية كما كان يسزود الاعتقاد، ويوضح في هذا الخصوص، أن الولادة الأولى للقصة كانت في الكتابات المبكرة في القرن الثاني الهجري، كما الحال لدى السدوسي في كتاب الأمثال، فقد كان الخبر السردي أو القصصي يبدأ بمفتاح سردي لإيهام المتلقي بصدق الخبر، ووجدنا الخبر المفرد والمتعدد والخبر الإطاري .
ويحكي الصفدي عن ان الولادة الثانية للقصة العباسية، كانت مع كتاب "البخلاء " للجاحظ ، لا لأنه استخدم مصطلح القصة "القصة "بكثرة فحسب، وإنما لأنه حرر الكتاب من ربقة السند في معظم قصصه، وكشف عن الطاقة القصصية التي تحتويها الحياة العادية.
وجاذبية الشخصيات الإشكالية والثانوية والملتبسة في المجتمع، من الناحية الفنية. وبحسب المؤلف، أدى الاهتمام بالطرائف اللغوية إلى التفات الأدباء إلى طاقة اللغة في تركيز الحدث والفكرة والتأثير في المتلقي، فطور الهمذاني شكلاً من أشكال الخبر العربي الصميم.
وهو الخبر المتعدد الذي يحتوي على مجموعة من الحكايات التي تدور حول شخصية واحدة، وفاض على الورق بفن جديد، وهو فن "المقامة". وأثر ذلك في ولادة أنواع أخرى من القص، مثل القصة الخيالية النقدية عند ابن شهيد في "التوبع والزوابع "، وكذلك لدى المعري في "رسالة الغفران".
وأفادت هذه القصة أيضاً من موروث ديني وأسطوري حافل، بالإضافة إلى القصة الفلسفية والرمزية والمتخيلة .حاول البحث في رحلته إضاءة بعض مساحات تراثنا القصصي، راصداً شيئاً من خصائصه السردية وطاقاته الفنية. كما نبه المؤلف الى عناصر حية فيه تنبض في أطواء الكتب وتخفق بين أحناء التاريخ، كما يقول.
الكتاب: الفن القصصي في النثر العربي حتى مطلع القرن الخامس الهجري
تأليف: د. راكان الصفدي
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2011
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
