الصين هي القوة الصاعدة الأكثر بروزا في عالم اليوم. وهي تحتل اليوم القوة الصناعية العالمية الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية وتؤكد تحليلات مستقبلية عديدة أنها سوف تحتل مكان الصدارة خلال العقدين المقبلين. لكن بالمقابل هناك أصوات تشير أن الصين قد تزول مستقبلا من خارطة العالم.
السبب الأساسي والوحيد الذي يتم الاعتماد عليه في مثل هذه المقولة هو أن الانحسار الديموغرافي المتعاظم لدى سكان الصين سوف يؤدي إلى تكسير أجنحة البطة الصينية التي أقلعت فاهتز العالم. المستقبل الديموغرافي المهدد للصين هو موضوع كتاب الباحثة والأستاذة الجامعية الفرنسية ايزابيل اتاني الذي يحمل عنوان: في بلاد الأطفال النادرين" والذي تؤكد فيه أن "الصين تتجه نحو كارثة ديموغرافية، كما يقول العنوان الفرعي.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ستة فصول تحمل العناوين التالية: في بلاد الطفل الوحيد والطفل بين الرموز والوقائع وتهديدات جديدة على صحة الطفل والتعلّم والترعرع والطفل المهمّش والصين غدا.
وتنطلق المؤلفة في تحليلاتها من توصيف لوحة الواقع الديموغرافي القائم في الصين اليوم. والسمات الأكثر بروزا في هذه اللوحة هي وجود أعداد كبيرة من الطاعنين في السن وعدم وجود ما يكفي من الشباب. تقول التحليلات انطلاقا من هذا الواقع أنه في أفق عام 2050 سوف تتناقص اليد العاملة التي تصنع المعجزة الصينية اليوم، بحوالي 160 مليون شخص.
بالتوازي سوف يجد الشباب الصينيون ذوو التأهيل العالي صعوبات متعاظمة أكثر فأكثر بالانخراط في سوق العمل. وبالمقابل سوف تكون هناك عشرات الملايين الإضافيين من الطاعنين في السن الذين لم تنجح الدولة حتى الآن في تأمين شروط حياة كريمة لهم، بالتالي سوف يشكلون عبئا كبيرا سيكون من الصعب تحمّله بالنسبة للأجيال الشابة.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب لا يقدم مجرّد تحليلات نظرية، لكنه أيضا ثمرة عمل ميداني قامت به المؤلفة على مدى عامين كاملين جابت خلالهما الصين. وتركّز المؤلفة على القول إنه بسبب الاهتمام المفرط بما حققته الصين على الصعيد الاقتصادي يتم غالبا نسيان التحدي الديموغرافي.
إن هذه البلاد التي كانت تعاني منذ عدة قرون من زيادة كبيرة في عدد السكان هي الآن في مواجهة خطر الشيخوخة الزاحفة بسرعة فائقة. تفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين كي تؤكد أن سياسة الطفل الوحيد، رغم أنه لم يتم تطبيقها بشكل دقيق، حققت أهدافها المعلنة، بل وأكثر. والإشارة أيضا أن إدراك الأطفال الوحيدين لمدى أهميتهم في المجتمع دفعهم إلى أن يركبوا رأسهم والتحلّي بقدر كبير من العناد.
وانطلاقا من العديد من المعطيات ومن الشهادات الحية تشير المؤلفة إلى بروز سلسلة من الحقائق غير المعروفة كثيرا في المجتمع الصيني الراهن. الحقيقة الأولى هي وجود تباين كبير بين الشروط الحياتية والتربوية للأطفال. إن أولئك الذين يولدون في المدن يلاقون ظروفا أفضل كثيرا على الصعيد التربوي والرعاية الصحية من الأطفال الذين يولدون في الأرياف
والحقيقة الأخرى في صين اليوم هي أن معدل وفيات الأطفال قد تراجع بالتأكيد، ولكن بسرعة أقل بكثير مما عرفته بلدان صاعدة أخرى رغم أنها لا تعاني من خطر الانحسار الديموغرافي. يضاف إلى ذلك واقع أن الأطفال في الصين، يعانون، بنسبة هامة، من البدانة بسبب الفقر والنظام الغذائي المترتب عليه.
ولا تتردد المؤلفة في القول إن هناك ممارسات في الأرياف الصينية تجعل المشكلة الديموغرافية أكثر خطورة. فمثلا يتم اللجوء في حالات كثيرة إلى التخلّص من الأجنة إذا تبيّن أن المولود الجديد سيكون أنثى، بل ولا يتم في حالات كثيرة تقديم العلاج للبنات. وفي أغلب الأحيان يهرب الأطفال من المدرسة والدراسة من أجل مساعدة الأهل في الحقول.
أما في المدن فيعيش أطفال الأغنياء حالة من الضغط لا تطاق بحيث تحاول نسبة منهم الانتحار. ثم إن الأهل يريدون تأمين التفوق لأبنائهم لتأمين مستقبل مرموق. هكذا يتم تعليم الأطفال منذ سن 18 شهرا مبادئ الرياضيات والعلوم واللغة الانجليزية والفن والموسيقى قبل ولوج ملاعب كرة المضرب والغولف. وهذا هو النمط السائد في تربية أبناء الطبقة السياسية القائدة في الصين اليوم.
في المحصلة النهائية، سيكون هناك في الصين بأفق عام 2030 غير قادر على العمل، بسبب الشيخوخة، مقابل كل عامل، وسوف يبلغ النقص في عدد النساء عشرات الملايين. هذا يعني أن مشاكل خطيرة ستظهر على السطح آنذاك. ونجم الصين قد يبدأ بالأفول.
الكتاب: في بلاد الأطفال النادرين
تأليف: ايزابيل اتاني
الناشر: فايار باريس 2011
الصفحات: 274 صفحة
القطع: المتوسط
Au pays des enfants rares
Isabelle Attané
Fayard - Paris- 2011
274 p.
