يبدأ مؤلف الكتاب، حسام عيتاني، أبحاثه، من ارضية تلمّس صورة العرب وصفاتهم وتسمياتهم لدى الشعوب المحيطة بهم، حيث لم يوجد حينها، إجماع بين مؤرخي الشعوب المغلوبة على أصل العرب وصفاتهم.
مع أنهم لم يكونوا مجهولين عند جيرانهم، الذين شملتهم موجة الفتوحات العربية الأولى. ويجد هذا القول سنده في قيام عدة أحلاف بين العرب والشعوب المجاورة لهم، إلى حانب نشوب عدد كبير من الحروب والغزوات، وفي العلاقات الوثيقة التي كانت تربطهم بالمراكز الحضارية المحيطة بالجزيرة العربية، وخاصة في مجالات التجارة.
وما رافقها من مستويات متنوعة من التفاعل والتبادل في العادات والمعارف والثقافة، الأمر الذي يشير إلى أن العرب كانوا يشكلون جزءاً معتبراً من سكان المنطقة، الممتدة من جنوب العراق وصولاً إلى سواحل شبه جزيرة سيناء، ومعروفين في تلك التي تقع خارج الحدود الطبيعية والتقليدية لشبه الجزيرة العربية، ويطاول ذلك بلاد الشام ومصر وفارس ويبرنطية. وبالرغم من كل ذلك، فقد عُرفَ العرب، في المصادر التاريخية للشعوب المغلوبة، بأسماء متعددة.
ويرى المؤلف انه من الطبيعي، في حالة الفتوحات العربية، أن تختلف روايات الغالب كثيراً عن روايات المغلوبين، وأن تفترق الرواية العربية للأحداث والمعارك عن الرواية البيزنطية وعن الرواية السريانية، أو الرواية الشامية للتاريخ العربي، التي تعرضت إلى حملة منظمة لاجتثاثها من الأذهان من طرف العباسيين، قبل تدوين التاريخ العربي، في سياق الانتقام من الأمويين وطمس حقبتهم. ويركز عيتاني على الطابع المفاجئ للفتوحات العربية- الإسلامية، على المستوى التاريخي.
وعلى الترابط والتزامن بين النتائج حروب الردة وبين الفتوحات العربية، التي وقعت عند منعطف مهم في تاريخ الإمبراطوريتين، البيزنطية والفارسية الساسانية، اللتين خرجتا من حروب طويلة ومدمرة بينهما، وكانتا تعانيان من مشكلات في تثبيت الحكم، عندما عصفت بهما الفتوحات العربية.
ويعتبر أن الشعوب، التي طالتها الفتوحات، لم تلاحظ على الفور اتساع نطاقها، نظراً إلى الصور النمطية القديمة السلبية التي تحملها عن العرب، كما لم يكن المضمون الديني للحركة العربية الواسعة مفهوماً في أعوام الفتوحات الأولى.
ويعزو عيتاني تصورات كتاب الحوليات من البيزنطيين والفرس أو من مسيحيي المشرق في القرنين السابع والثامن، الذين ربطوا الفتوحات العربية بمعطيات الغيب، إلى كون الأدوات المعرفية التي كانت في حوزة كتاب الشعوب المغلوبة، والمتحملة أوزار حقبة الفتوحات، لم تتجاوز الأدبيات الدينية واللاهوتية التي سادت بعدما انحسرت الجوانب العقلانية من الحضارة الهلينية، بفعل مئات الأعوام من الصراع مع الوعي الديني.
ويشير الباحث الى ان القبائل العربية التي سكنت المناطق المجاورة لسوريا والعراق ومصر، لم تكن لتقبل بخضوعها للفتح الاسلامي، حتى لو كان على أيد عربية، لو لم تتح لها الفتوحات في الشمال الحل الجذاب لمشكلاتها الاقتصادية في شبه الجزيرة العربية.
وقد وفّر الإسلام للفاتحين ثقة بالنفس ورمزاً للنصر والوحدة. إلى جانب أن أحوال العرب في حواشي سوريا عشية الفتوحات العربية لم تكن قد استقرت بعد، كونهم تلقوا ضربة ثانية أثناء الاجتياح الفارسي في العقد الثاني من القرن السابع، في إثر التوصل إلى تسوية مع البيزنطيين. في حين أن الفتوحات الإسلامية التي بدأت في مناطق شرق الأردن، الخاضعة وقتها للحكم البيزنطي، كانت مفاجئة للقسطنطينية.
ويعزو المؤلف الانهيار البيزنطي السريع أمام الفاتحين العرب إلى السياسات الخرقاء التي تبناها الإمبراطور موريسيوس ضد الغساسنة، وقضائه على مملكتهم، والحروب الفارسية - البيزنطية، والانشقاقات الديني. الى جانب عدة عوامل اخرى.
كما يلفت المؤلف الى ان مصر وخصوصاً عاصمتها الكوسموبوليتية، الإسكندرية، كانت أيضا، ساحة صراعات تشبه في الكثير من الوجوه ما شهدته المراكز المدنية البيزنطية الأخرى كالقسطنطينية وإنطاكية بين حزبي الخضر والزرق.
الكتاب: الفتوحات العربية في روايات المغلوبين
تأليف: حسام عيتاني
الناشر: دار الساقي بيروت 2011
الصفحات: 319 صفحة
القطع: الكبير
