كثيرة هي الكتب التي جعلت من السينما وعالمها مواضيع لها. والكاتب والصحافي الفرنسي «فرانسوا غيوم لوران» يقدّم أيضا عملا عن السينما ولكن من زاوية خاصة مكرّسة لـ«أطفال السينما»، كما يقول عنوان كتابه الأخير.

أولئك الأطفال «المشاهير» في لحظة ما عادوا بعد تجربة أو تجربتين في السينما إلى عالم «المغمورين». هذا مع الإشارة إلى استثناءات قليلة مثل «صوفي مارسو» و«شارلوت غينسبورغ» و«جان بيير ليود» وعدد غيرهم ممن بدأوا أطفالا في السينما وأصبحوا نجوما عالميين في سن البلوغ. الآخرون «أخطأوا».

كما يقول المؤلف، طريق الشهرة عند «المنعطف» من المراهقة إلى سن الشباب. لكن المؤلف، الأخصائي بعالم السينما استهوته فكرة البحث عن مصير هؤلاء «المغمورين» اليوم والمشاهير في الأمس. هكذا شرع في نوع من «التحقيق الصحافي» المكرّس لما آلت إليه حياة من ترك من أولئك الأطفال عالم السينما والأضواء إلى عالم «الظلال» والناس العاديين.

لم يجد الجميع بالطبع لكنه «ظفر» بحوالي عشرين «نجما آفلا» ليروي ما عرفته مسارات حياتهم ابتداء من الأعمال السينمائية التي شاركوا فيها وظروفها وتجربة «الشهرة العابرة» و«نظرة الآخرين الثقيلة وصعبة التحمّل» في بعض الأحيان و«حالات الحنين» التي قد يعيشونها والأسباب العميقة التي دفعتهم إلى اختيار «الحياة الطبيعية» أو التي اختاروها بمحض إرادتهم.

فإلى أين آلت مسارات «أطفال السينما»؟

هناك أولا القلة الذين تابعوا مسيرتهم السينمائية فذلك الشاب اليافع ابن الـ 14 سنة «جان بيير ليود» الذي شكّل محطة في تاريخ السينما من خلال دوره في فيلم «الـ 400 طلقة»، يشكل اليوم أحد الاستثناءات النادرة ممن «نجحوا» في المرور من عالم الأضواء في سن الطفولة إليه في عالم البالغين.

و«صوفي مارسو» التي تألّقت في فيلم «بوم» عام 1990 استمرّت لتلعب أدوار البطولة أمام كبار الممثلين. لكن بالمقابل أقرب صديقاتها في فيلمها الأول «بينلوبي»، أي شيلا اوكونور في الواقع، تبلغ من العمر اليوم 45 سنة، وتكرّس حياتها للكتابة والإخراج. وقد قالت في تصريح صحافي لها مؤخرا إنه «لم يكن هناك مكان لاثنتين بالنسبة لأضواء تلك الفترة».

و«كاترين دومنجو» التي لعبت دور «زازي» في فيلم لويس مال «زازي في المترو» عام 1960 أصبحت فيما بعد أستاذة للاقتصاد. وهي تتجنب إلى أقصى حد أي حديث مع وسائل الإعلام أو الظهور فيها. لكن هذا لا يمنع واقع أن مؤلف الكتاب يبعث لدى قرائه تلك الرغبة بمعرفة ما آلت إليه «زازي» و«مغامرة» البحث عنها.

بالمقابل من كان يتصوّر أن ذلك الطفل المدعو «الان كوهن» الذي كان «مشاغبا» على ظهر الممثل «ميشيل سيمون» عام 1966 في الفيلم الجميل الذي أخرجه «كلود بيري» تحت عنوان «الرجل العجوز والطفل»، يمكن أن يصبح أحد الأخصائيين الفرنسيين بالخضار والفواكه النادرة.

وهو الذي يقوم اليوم بتوزيع كميّات منها إلى عدد من كبار المطاعم الباريسية. ولم تتردد شيلا اكونور في القول: «لقد حرصوا على أن أبقى بعيدة عن وسائل الإعلام. ذلك أنه لم يكن يراد أن أبدو منافسة لصوفي مارسو». ورغم أنه عُهد لها فيما بعد بدور في عمل فني كوميدي إلى جانب ممثلين كبيرين هما فابريس لوشيني وباتريك برويل، فإنها أدركت لا تتناظر مع ما كان يبحث عنه مدراء العمل. تقول:

«كانوا يبحثون عن نساء مثيرات. ولم أكن أمتلك قالب صوفي مارسو».وإذا كان «الطفل المتوحش» الأسطوري الذي شاهده الملايين في فيلم المخرج الكبير فرانسوا تروفو عام 1969 لا يزال في ذاكرة الكثيرين.

فإن «جان بيير كارغول» الذي قام بالدور لم يعد يعرف عنه شيء. و«اليونور كلاروين» بطلة فيلم «ديابولو بالنعناع» عام 1977 تعمل اليوم مديرة لوكالة لـ«عارضات الأزياء». وجاء في تصريح لها قبل فترة وجيزة: «لقد تقاضيت مبلغ عشرة آلاف فرنك فرنسي فقط عن دوري في الفيلم (...). واضطررت في لحظة ما لبيع المبرّدات البوظة- كي أجد بعض النقود.

كانوا يشترون منّي كي أوقّع لهم على إهداء». كانت تلك الفتاة المراهقة قد تركت المدرسة وترددت على الأماكن الباريسية «على الموضة» وأصبحت أمّا في التاسعة عشرة قبل أن تبدأ مسارها المهني الحالي في عالم «عرض الأزياء».

إن هذا الكتاب عن «أطفال السينما» هو أيضا عمل عن الزمن الذي يمضي وتتحوّل معه تلك الوجوه «ذات التقاطيع الجميلة» إلى وجوه «متعبة» تعلوها التقاطيع وأحيانا «هموم الحياة». هذا مع «جنوح» بعض أصحابها إلى تعاطي الكحول والمخدرات وربما مواجهة «الانهيارات العصبية» حيث لم يتحملوا «العيش كمغمورين» بعد لحظات الشهرة التي عرفوها.

 

 

 

 

الكتاب: أطفال السينما

تأليف: فرانسوا غيوم لوران

الناشر: غراسيه باريس 2011

الصفحات: 306 صفحات

القطع: المتوسط

 

 

 

Les enfants du cinéma

François Guillaume Lorrain

Grasset - Paris 2011

306 p.