كزافييه داركوس، وزير التربية الفرنسي السابق، هو أحد أهم الأخصائيين الفرنسيين في العالم اللاتيني الذي قدّم عنه العديد من الكتب. وهو اليوم يعود للحديث عنه في كتاب: "قاموس عاشق لروما القديمة" في إطار السلسلة التي تصدرها دار نشر "بلون" الباريسية تحت عنوان: "قاموس عاشق لـ...".
وفي الوقت الذي تتوجه فيه أنظار الطبقة السياسية الفرنسية نحو الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في شهر مايو المقبل وترى فيه رفوف المكتبات أعمالا حول المعركة الانتخابية، يعود كزافييه داركوس للحديث عن حقبة مضى عليها 2000 سنة. يقول المؤلف في المقدّمة: "لقد حاولت، انطلاقا من حقائق ووقائع متنوعة ومن شخصيات من كل نوع أن أقرب للفهم ثقافة وقيماً ومعتقدات وأنماطا من السلوك ومن المظاهر الرائعة".
ويشرح المؤلف على مدى الفصول العشرة التي يتألف منها الكتاب، أن هناك فرقا كبيرا بين الأوروبيين اليوم وبين "أجدادهم اللاتينيين" القدماء. ويؤكد القول: "إن روابطهم مع المكان والزمان كانت مختلفة عن روابطنا. وقراءتهم كانت تحترم قواعد خاصة أمام نظرة الآخرين.
الأمر الذي يبدو لنا غريبا اليوم أو ليس مفهوما. لكن مثل هذه الاختلافات لا تنفي وجود روابط نسب واضحة بيننا وبينهم. إننا نشابههم وهم الذين أعطونا قاموسنا وقوانيننا وطقوسنا ومعاييرنا الجمالية وأبطالنا الأسطوريين".
ومن العلاقات التي يؤكد عليها المؤلف بين الحضارة الغربية عامة، والأوروبية خاصة، وبين العالم الروماني القديم هو أن "الرومانيين القدماء هم الأقل غرابة" عن أوروبيي اليوم الذين يجدون مرجعياتهم لدى مفكري روما القديمة، وأحيانا "دون وعي ذلك"، كما نقرأ. والشعر الغربي اليوم يجد جذوره لدى عباقرة الشعر الرومان القدماء.
ويحاول المؤلف تصحيح ما يسميه أخطاء شائعة، عن العالم الروماني القديم. هكذا يقول: "مثلما هو الحال بالنسبة للمواضيع التي يجري نقاشها والتطرّق إليها باستمرار، فإن المعارك التي كان يقوم بها المصارعون في روما القديمة عرفت أفكارا شائعة وخاطئة".
هكذا مثلا لم تكن مقولة: (أولئك الذين يذهبون للموت يوجهون لك التحية يا قيصر) تمثل أحد الطقوس الشائعة أبدا في روما القديمة. المقولة صحيحة. ولكن لم يتم ترديدها سوى مرة واحدة، تؤكده من قبل جنود كان محكوم عليهم بالاقتتال حتى الموت أثناء معركة بحرية صورية نظّمها الإمبراطور كلود حوالي عام 52 ميلادية.
ويشير المؤلف الى أن المعلومات الخاصة بتلك "المعركة الصورية" تندرج في سياق مناهض للإمبراطور كلود الذي قيل عنه إنه كان يعيش في حالة خوف طفولي. هذا فضلا عن تقديمه أنه كان ضخم الجثة ويتلعثم في الكلام. وبعد الإشارة إلى أنه لم يكن يريد السلطة أبداً، يؤكّد المؤلف أنه قد تحوّل إلى طاغية مفرط القسوة المجانية، بحيث انه "كان يحب كثيرا النظر إلى وجوه المتصارعين في لحظات منها يهتم. ومن هنا بالتحديد جاءت الأسطورة"، كما نقرأ.
ويؤكد المؤلف في مدخل عن "الخرافات" لدى الرومانيين أن الخرافة الرومانية أسطورية. وكان من أفضل تعبيراتها حيال أشياء وظواهر مختلفة. هكذا يتحدث كزافييه داركوس عن خوف الرومانيين القدماء من "الأعداء المزدوجة" و"الظواهر الطبيعية مثل الصاعقة" .
وأيضا قصّ الشعر على متن سفينة" و"الدخول إلى المنزل بالقدم اليسرى" و"العطس عند الاستيقاظ" و"السماح لكلب بالمرور بين صديقين يتنزهان" و"رمي الملح على الأرض" و"الزواج في شهر مايو"، إلى آخر سلسلة طويلة من الأساطير.
ومما يذكره المؤلف هو أن رجلا متنوّرا مثل اوغست، كان لا يفعل أي شيء في اليوم التاسع من كل شهر. ذلك أن فك تسمية هذا الاسم باللاتينية يمكن أن يعني: لا تفعل ذلك. وينقل المؤلف في هذا السياق تعليق المفكر الفرنسي الكبير مونتسيكيو، صاحب كتاب "روح الشرائع"، على الدور الإيجابي لمثل تلك الأساطير، من أجل كبح جماح الشعب الروماني، ذلك الشعب السريع الغضب كان بحاجة إلى كبحه من قبل قوّة غير مرئية، كما ينقل كزافييه داركوس عن مونتسكيو.
والحديث عن روما القديمة يعني كثيرا الحديث عن "قيصر". ومما يقول المؤلف عنه: "عندما يتم الحديث عنه يجري ذكر التواريخ والألقاب والمواقع. لكن يُنسى غالبا القول إنه كان قبل كل شيء يجيد الغواية. وكان يردد باستمرار: البشر يعتقدون بما يرغبونه". ما يتم التأكيد عليه الاعتماد على جميع الشهادات، هو أنه كان "هادئا" و"فضوليا للمعرفة". ويجيد الحديث مع الآخرين وكريما، وإلى جانب هذا كله كان "مولعا بالنساء".
الكتاب: قاموس عاشق لروما القديمة
تأليف: كزافييه داركوس
الناشر: بلون باريس 2011
الصفحات: 756 صفحة
القطع : المتوسط
Dictionnaire amoureux de la Rome Antique
Xavier Darcos
Plon - Paris- 2011
756 p.
