اشتهر الاقتصادي النمساوي المعروف على الصعيد العالمي جوزيف شومبيتر بأنه صاحب النظريات المعروفة حول "التأرجح الاقتصادي". وكان قدّم كتاباً تحت التساؤل التالي: "هل تستطيع الرأسمالية البقاء"؟
تحت هذا العنوان يشرح المؤلف مفهومه عن: "التدمير الخلاّق"، والذي يكمن مضمونه الجوهري في القول إن الأزمات ملازمة بالضرورة والتعريف للمنظومة الاقتصادية الرأسمالية، ولكنها هي أيضا التي تدفع هذه المنظومة للتقدم إلى الأمام.
إن المؤلف يشرح في هذا الكتاب الذي يعود صدوره إلى سنوات الثلاثينات من القرن الماضي العشرين- ويعود اليوم إلى الواجهة في البلدان الرأسمالية من جديد، رؤيته عن مستقبل الرأسمالية وبقائها أو عدم بقائها في عدة فصول تبدأ بواحد تحت عنوان: "معدل النمو الاقتصادي للإنتاج الكلّي" وتنتهي بفصل يحمل عنوان: "تعاظم العداء، والتحلل" ومرورا بفصول عن "السهولة الرأسمالية" و"مسار التدمير الخلاّق" و"الممارسات الاحتكارية" و"زوال فرص الاستثمار" و"حضارة الرأسمالية" و"الجدران تنهار".
ويؤكد شومبيتر، على غرار ما كان قد قاله قبله كارل ماركس ولكن باستخلاص نتائج مختلفة تماما، أن الرأسمالية لم تستقر أبداً على حال بل هي في حالة تطوّر مستمرة. وكذلك يؤكد أن "تجديد الاقتصاد" لا يعود أبداً إلى "نزوات المنظومات النقدية- المالية"، بل بالأحرى إلى "المواضيع الجديدة للاستهلاك".
وعلى خلفية مثل هذا الرأي يكيل المؤلف المديح لرجل الصناعة الأميركي الشهير هنري فورد عندما أنتج السيارة الشهيرة "فورد-تي" التي أحدثت، برأيه، ثورة في الأسواق.
الفكرة الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف هي أن الرأسمالية تعرف حالة مستمرة من الحركة. ذلك أنه "حيث يتعاظم الخطر يتعاظم أيضاً ما يمكن أن يشكل دفّة الإنقاذ"، لكن هل تستطيع الرأسمالية البقاء؟
على هذا السؤال يجيب جوزيف شومبيتر بالقول: "كلا لا أعتقد أنها تستطيع ذلك، ونجاحها نفسه يمكن أن يفجّر المؤسسات الاجتماعية التي تحميها ويخلق بالضرورة الشروط التي تجعلها غير قابلة للعيش". هذا يعني بوضوح أنه هناك احتمالاً بـ"تحلل الرأسمالية".
ومن الواضح أن شومبيتر يحاول أن يؤكد نجاح الرأسمالية كمنظومة اقتصادية توصّلت إلى تحسين المستوى الاقتصادي للبشر. وهذا ما يعبّر عنه بالقول: "إن المسار التطوّري الرأسمالي رفع مستوى معيشة الجماهير الشعبية ليس مصادفة، ولكن بفضل الآليات التي يعمل على أساسها". وحجر الزاوية في هذه الآليات يحددها بوضع مختلف المنتجات بين يدي عامة الناس عبر تقليص مستمر لكمية الجهود المبذولة من أجل تحقيق ذلك. تجدر الإشارة أن هذا النص، الذي يمثل القسم الثاني من كتاب جوزيف شومبيتر الشهير "الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية" يرسم أيضاً الأجواء الفكرية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، أي في الفترة المعروفة بفترة "الإصلاح الكبير" التي أعقبت نشوب أزمة 1929، أحد أكبر الأزمات التي واجهتها الرأسمالية في تاريخها كلّه.
ومن خلال المقارنة مع ما هو قائم الآن في القوة الاقتصادية الأكبر في عالم اليوم يبرز بوضوح مدى "حضور" تلك الفترة السابقة في السياق الراهن بالنسبة للاقتصاد وللمناخ الفكري الأميركي. ذلك أن الفترة الحالية تعقب الأزمة المالية والاقتصادية التي انطلقت في خريف عام 2008 من الولايات المتحدة الأميركية ولا يزال العالم يعاني من آثارها حتى اليوم.
ويحدد المؤلف القول ان الثورة التكنولوجية التي يعرفها العالم منذ حوالي قرنين من الزمن "ليست وليدة الصدفة" التاريخية، ولكنها نتاج "منطقي" للمنظومة الرأسمالية. لكن هذا لا يمنع واقع أنها تواجه ما يسميه المؤلف بـ"التدمير الذاتي"، ويربط هذه الظاهرة جزئيا بـ"زوال فرص الاستثمار".
ذلك خاصة بالتزامن مع تضاؤل الفعالية الاقتصادية بسبب "استبدال" دور المبادرة الفردية بالعمل على أساس الفريق واختزال التجديد إلى مجرد عمل متكرر "روتين". وهذا ما نتج عنه نوع من التفكير "لا يبالي بمصير الرأسمالية" القائمة أصلا على الفرد كقيمة أساسية.
لكن شومبيتر يرى أن الأسباب الحقيقية لبروز منظور إمكانية "التدمير الذاتي" بالنسبة للرأسمالية تكمن في كون أن "مسار التطور الرأسمالي" يشكل خطراً على "مؤسسات المنظومة الرأسمالية ذاتها"، وخاصة على الفكرة الأساسية التي تمثل أحد نقاط ارتكاز الرأسمالية والمتمثلة في "الملكية".
في المحصلة يقدّم جوزيف شومبيتر في هذا الكتاب توصيفا للطريقة التي يعمل على أساسها عالم اليوم والكيفية التي تتعاظم فيها أشكال الاستياء من المنظومة الرأسمالية وصولاً إلى خطر تهديدها بـ"التدمير الذاتي". كما يبين في نفس الإطار، وبالتوازي، كيف يمكن لهذا "التدمير" أن يكون خلاّقاً.
المؤلف في سطور
جوزيف شومبيتر هو اقتصادي نمساوي توفي عام 1950 ويعتبره المحللون المختصون أنه أحد أفضل، إن لم يكن الأفضل بين أولئك الذين قاموا بتحليل الرأسمالية. كان وزيراً للاقتصاد في النمسا، وقام بتدريس الاقتصاد لسنوات عديدة في جامعة هارفارد الأميركية. له العديد من المؤلفات أكثرها شهرة كتابه الذي يحمل عنوان: "الرأسمالية والاشتراكية الديمقراطية".
الكتاب: هـــل تستطيــــع الـــــرأسمــــاليـــة ــ البقاء؟
تأليف: جوزيف شومبيتر
الناشر: بايوت - باريس- 2011
الصفحات: 206 صفحات
القطع: المتوسط
Le capitalisme peut -il survivre ?
Joseph Schumpeter
Payot - Paris- 2011
206 .p
