يفسر الكتاب في مدخل معالجاته للقضية المطروحة، مفصلا بنيويا رئيسيا، لتوضيح رؤى بحثه، حيث يشير الى ان سلطة رجال الدين قدمت الينا بتأثيرات هالات القداسة التي كانت تحيط برجالات الكنيسة قديما في اوروبا (في العصور الوسطى).
إذ كانت لا تسمح بمجرد انتقادهم! وهذا أدى إلى الانقسام، فنشأت الكنائس والولاءات، وهكذا، وبامتداد التأثيرات، نشأت الأحزاب الدينية الإسلامية التي ارتبطت بالأشخاص. ويلفت مروة الى ان نهج تقديس الاشخاص، في فكرنا المجتمعي، كان سببا رئيسا في ما وصلنا اليه، بشأن الكثير من المفاصل الفكرية. ويقول المؤلف بانه تعودنا في مدارسنا وحياتنا، على أسلوبٍ لا نحيد عنه على الرغم من النظريات التربوية، وهو أسلوب التلقين.
فمدرِّسنا أو شيخنا يملي على طلبته ويقوم بتلقينهم، وهذا التلقين يلغي أي فعل للمشاركة، وهذا ما نعاني منه مع أبنائنا الذين فقدوا روح المشاركة في المدارس، فما بالنا عندما يدخل أحدهم إلى باحة مسجد ليجلس في حَرمِه مع شيخٍ يُفترض أنَّه يملك معرفة دينيةً أعمق منه، وهو إن لم يشعر بها فإنَّ الجو والمدرِّس نفسه يفرضان عليه هذا الإحساس.
من خلال طقوس كهنوتية يمارسونها عليه، ابتداءً من المظهر الخارجي للمدرِّس الشيخ، ووصولاً إلى طريقة التدريس التي تعتمد مفهوم الإفحام. فلو خطر ببال أحدهم أن يناقش في أمرٍ ما، فإنَّ الشيخَ يلوي عنق النص ليستشهد به على صوابية رأيه وخطأ رأي الطالب، فلا يملك الطالب سوى السكوت حتى لا يتهم، وهل بعد النص الشرعي من رأي؟ ويؤكــــد مروة هنــا انه شيئـــاً فشيئــــاً تلغى شخصية الطالب التي من المفترض أن تنمو أكثر فأكثر، لتصبح تابعة تمـــاماً للشيـــخ، ويتحوَّل الطالب من مبدعٍ مفكِّر، إلى مريدٍ لا يملك رأياً، ومن ثمَّ يتبنـــى هذا الرأي، ويدافع عنه خاصةً عندما يتحوَّل إلى شيخٍ في مكانٍ ما.
وينتقل مؤلف الكتاب، الى محطة اخرى في ابحاث الكتاب، ليبحث في الفترة التي كانت مع انهيار الاتحاد السوفييتي، في العقد الأخير من القرن العشرين، حيث منها بدا كل شيء في سياق الموضوع المطروق، ويقول:
"من كان يظن أنَّ الاتحاد السوفييتي سيسقط بهذه السرعة؟ ومن كان يظن أنَّ سقوط دولة يغيِّر وجه العالم؟.. والغريب أنَّ هذه الدولة كانت مثار جدل كبير، إذ كان الغرب ينخرها من الداخل ويعاديها خارجياً، وفي الوقت نفسه كان أغلب العالم الإسلامي يعاديها بسبب إيديولوجيتها العلمانية لأنه يراها معادية للعقيدة، وقد بذلت الجهود والأموال من أجل محاربتها في كل مكان، وجمع المتطوعون من كل قطر لمحاربتها، لكن المعادلة التي لم تكن واضحة للعرب والمسلمين، والتي كتبها الغرب، تتمثَّل في أنَّ انهيار الاتحاد السوفييتي كان نجاحاً للغرب وإيديولوجيته الأخطر، وتصدعاً في جانب الفقراء والمسلمين الذين كانوا يحاربون السوفييت وهم ضعاف". ويؤكد المؤلف انه يطرح كثيرون وبخبث أحياناً، وسذاجةٍ في أحايين أخرى، سؤالاً مفاده:
هل الإسلام هو المستهدف؟ ويشير الى انه يحاول عدد لا يستهان به، التخفيف من قيمة السؤال:
ليس في الإسلام ما يدعو إلى محاربته! وآخرون بقولهم:
إنَّ الإسلام باقٍ ولن يؤثِّـــر فيه شيء. وفريق ثالث يحاول أن يسبغ واقع المسلمين على الإسلام. وآخرون وهم الخبثاء، يقبعـــون في مغاورهم ليصنعوا ما بوسعهم لضرب الإسلام ومحاربته، في الوقت الذي يعلنون فيه أنهم لا يفعلون ذلك، وعندما نرفض طرح سؤال استهداف الإسلام، فمن مبدأ واضح يعتمد احترام العقل أولاً وأخيراً فمن الطبيعي أن يكون الإسلام أو غيره مستهدفاً من خصومه تحديداً، وممَّن لا يعتنقونه فلماذا يطرح مثل هذا السؤال!؟» ويقول المؤلف مروة، انه ليس يدري السبب الذي حوَّل أمر التدين الفردي والشخصي إلى أمر مجتمعي، ومن ثمَّ سياسي.
ويضيف: "الغريب الذي لم أقرأ حوله تفصيلات، أنَّ جميع الأحزاب السياسية العربية القومية وحتى اليسارية تقدم دوماً بين يدي مفكِّريها ومنظِّريها وأنظمتها، براءة ذمة أمام المجتمع، فهي أي الأحزاب، تدفع نصف جهدها لتُظهر أنَّه ما من تعارضٍ بين آرائها وأفكارها والدين!! فما الدافع وراء هذا الحرص؟ إذا كان الحزب دينياً أو على الأقل يهتدي بالدين فلماذا أنشأناه أصلاً؟ وهنا لا أقصد ديناً محددا، فالأديان والكهنوت سلطة سياسية ودينية تمثل أقسى أنواع السلطات على مستوى العالم، لكن ما نجا منه الآخرون وقعنا فيه نحن. فما المانع أن يكون الشخص في ذاته متديِّناً وينضوي تحت راية حزبية مدنية تسعى لصلاح المجتمع والوطن؟ وما المانــــع أن يكون غير متديِّن وأن يكون شريكاً مع متدينين لبناء وطن؟....
كما يستعرض الباحث مروة، في مناقشتـــه لتفرعات القضية التي يتناولهــــا، الى جملة نقاط، يشرح فيها عدة محاور، ويتساءل عن مجموعة امور، ومنها: الهدر المجاني للإنسان وكرامته وروحه عبر عدة ممارسات مشوهـــة وغــــير صحيحة، استمرار تبجيل الناس لعدة اشخاص حتى مع اخطاء كارثية يرتكبها هؤلاء.
ويختم المؤلف مؤكداً ضرورة ان نعي كيفية السير على الطريق القويم، وفق معطيات الشريعة بوجهة صحيحة، وبنور العقل.
المؤلف في سطور
إسماعيل مروة، كاتب وقاص وروائي سوري. صدر له أكثر من 25 كتاباً في القصة القصيرة والرواية والمقالة والدراسة الأدبية، منها: الأكفان تعلن انقلابها، مغاور الجاهلية، نهر الوجع.
الكتاب: الفكر الديني
والمجتمع
دراسة ميدانية
تأليف: د.إسماعيل
مروة
الناشر: دار الشرق-
دمشق - 2011
الصفحات: 168 صفحة
القطع: المتوسط
