يلفت مؤلف الكتاب هاشم صالح إلى انه، وبينما تجاوز البحث الفكري والفلسفي الغربي النقاش حول قضايا الحداثة ونقدها، لا يزال جدل الفكر العربي متوقفا عند حدودها، محولا في منهج بحث كتابه، تلمس المسارات التي اتخذتها مسيرة الحداثة الغربية وانتقال الغرب إلى عصر العولمة، من خلال نظرة نقدية وعرض تاريخي موجز يغلب عليه التركيز على البعد الفلسفي، ودور الفلاسفة في كل عصر. ويؤكد صالح على عنصر المفارقة في المقارنة بين الغرب والعرب، إذ بينما ينشغل العالم الغربي بنقد الحداثة والعمل على تصحيح مسارها، يبدو أن العالم العربي والإسلامي لا يزال يقف عند مشارفها ما يدّل على الهوة التي لا تزال تفصل بين العرب والغرب.
وقبل استعراضه لتاريخ تلك الحداثة يتبنى تعريف آلان تورين لها، بوصفها تعني انتصار العقل وإحلال العلم محل اللاهوت المسيحي داخل المجتمعات الغربية، حيث تمثل الحرية جوهر الحداثة التي ليست مجرد متغيرات صرفة، وإنما هي نشر لمنتجات الفعالية العقلانية والعلمية والتكنولوجية والإدارية داخل المجتمع. بالمقابل يجد أن التيار العقلاني العربي يتخذ موقفا انتقائيا من قضية الحداثة.
ويشير صالح إلى انه ارتبط ظهور مفهوم الحداثة، كما هو معروف بالشاعر الفرنسي بودلير، في منتصف القرن التاسع عشر، ما يدّل على أنها بدأت في مجال الأدب والفن، ثم انتقلت إلى الميادين الفلسفية والفكرية، لكنه يؤكد على أن الحداثة لم تأت منفصلة، بل جاءت متساوقة على الصعد المختلفة لأنها حقيقة كلية متكاملة كما تجلت في أطروحات مفكري الغرب. وفي تحقيبه لتاريخ الحداثة الغربية يعيد بدايات هذا المشروع إلى القرن السادس عشر الذي عرف بعصر النهضة والتنوير الديني، حيث بدأت فيه زعزعة اليقينيات الموروثة، وتلاه القرن السابع عشر الذي تميز بظهور ثورة العلم الحديث وفلسفة ديكارت التي بلورت نظريا وفلسفيا لتلك الثورة، كما واصلت الحداثة في القرن الثامن عشر شق طريقها الصاعد عبر ترسيخ العقل لمواقعه في مواجهة العقائد اللاهوتية، حيث اعتبره بعض الدارسين أهم العصور لأن الحضارة الأوروبية الحديثة نتجت عنه، حيث ترافق ذلك مع نهوض اقتصادي وصعود قوي للطبقة البرجوازية التي انتزعت السلطة من أيدي الإقطاع. ويشير الباحث إلى جانب مهم في قراءته لتاريخ الحداثة في هذا القرن، يتمثل في هيمنة الطابع التجريدي الميتافيزيقي على تلك الحداثة، على خلاف ما اتسمت به في القرن السابق من طابع تجريبي محسوس.
ويرى صالح انه، وضمن هذه السيرورة التاريخية، شكل القرن التاسع عشر انتصارا للعلم والفلسفة الوضعية فكان القرن الحاسم بالنسبة للحداثة الغربية، كما تبدى ذلك في الثورة الصناعية والمخترعات العلمية والنهضة الاقتصادية المتسارعة، الأمر الذي جعل أوروبا لا تكتفي بالهيمنة على الطبيعة وحسب، وإنما على العالم بأكمله.
وفي حين كان الغرب في بداية القرن العشرين يعيش حالة من الشعور الغامر بالتقدم الذي حققته الحداثة جاءت الحرب العالمية الأولى لتشكل ضربة قاسية لسيادة عقل التنوير المطلقة التي سادت حتى ذلك الوقت، إذ بدأت الشكوك تحوم حوله، ثم جاءت الحرب الثانية بنتائجها الكارثية لتشكل خيبة أمل عميقة عبرت عنها الحركات السوريالية والوجودية والفلسفية، والتي كانت بمثابة ثورة على العقلانية الوضعية والتكنولوجية. وبعد أن يتناول المؤلف، موضوع الحداثة في الأدب والفن والفكر الغربي ينتقل للحديث عن فلسفة كانط ودورها في تحقيق الحداثة الفلسفية التي شكلت قطيعة مع العقل الغيبي من جهة، ومن جهة أخرى عملت على تحرير العقلانية من فلسفة الشك المدمرة والفلسفة التجريبية المحضة، وربط العلم بالأخلاق، إضافة إلى فلسفة هيغل التنويرية ومحاولات ماكس فيبر تفسير لغز الحداثة من وجهة نظر اجتماعية واقعية محسوسة، ثم يبحث في مفهوم العولمة وعولمة العالم ثقافيا وإعلاميا، ما جعل حركة العولمة تخوض صراعها المباشر مع الهويات الثقافية الضيقة، مبينا كيفية التعامل الممكن معها، باعتبارها تمثل حركة كونية لا يمكن تجاهلها، خاصة وأنها لم تقتصر على تعميم السلع والمنتوجات الصناعية، وإنما شملت تعميما لأنماط الحياة والتيارات الفكرية والمعلومات أيضا.
ويقدم المؤلف في الفصول الأخيرة مجموعة تأملات تتعلق بالحداثة العربية الإسلامية معتمدا على ما قدمه المفكر الجزائري محمد أركون، الذي فرّق بين نوعين من الحداثة المادية والحداثة العقلية، دون أن يعني ذلك الفصل بين النوعين على الأقل فيما يخص التجربة الأوروبية، الأمر الذي يستدعي من العرب للخروج من مأزقهم التاريخي تأسيس مراكز البحوث والترجمة لتعزيز حضور الفكر العقلاني لكي نكون حداثيين.
المؤلف في سطور
هاشم صالح، باحث ومترجم وأكاديمي سوري مقيم في فرنسا. يحمل شهادة الدكتوراة في النقد الأدبي الحديث من جامعة السوربون. نقل العديد من مؤلفات محمد أركون إلى العربية، وله كتابان، الأول بعنوان «مدخل إلى التنوير الأوربي». والثاني معضلة الأصولية الإسلامية:، إضافة إلى العديد من الدراسات المنشورة في المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية.
الكتاب: من الحداثة إلى العولمة.. رحلة في الفكر الغربي
المؤلف: هاشم صالح
الناشر: وزارة الثقــافـــــــة السعــــــوديــــة- الريــاض 2010
الصفحات: 412 صفحة
القطع: المتوسط
