مالكولم اكس هو أحد أشهر المناضلين السود، ومن أجل حقوق السود، في الولايات المتحدة الأميركية خلال القرن الماضي، العشرين. وقد كُتب الكثير عن سيرة حياته، لكن يبدو أنه لا يزال هناك ما يمكن أن يقال. هكذا كرّس الأستاذ الجامعي الأميركي مانينغ مارابل كتابه الأخير لـ"سيرة حياة مالكولم اكس".
ما يمكن أن يُشار إليه منذ البداية هو أن هذا الكتاب ليس مجرد سيرة حياة الرجل-الأسطورة مالكولم اكس ولكن أيضا تأريخا للمسلمين في الولايات المتحدة، إلى جانب الخوض في التاريخ الأميركي بمجمله. ولا يتردد المؤلف في القول منذ البداية أيضا أن مالكولم اكس هو أحد أكثر الشخصيات الأميركية إثارة للجدل والنقاش بسبب ما أحيط فيه من روايات متباينة إلى حد الاختلاف. لقد جرى تقديمه كمارق وتاجر مخدرات كمناضل وزعيم وأيقونة قبل أن تضع عدة رصاصات نهاية لحياته وهو في التاسعة والثلاثين من عمره. ويحاول المؤلف أن يقدم في تحليلاته البراهين على أن العمل الدؤوب الذي قام به مالكولم اكس وخطاباته الكثيرة التي توجّه فيها إلى جماهيره، سمح لمئات الآلاف من الأميركيين السود بولوج سبل الوصول إلى حياة أفضل. كما قدّم نموذج "الإنسان الأميركي" ذا الأصل الإفريقي المستقل". وساعد عبر سيرة حياته على بلوغ درجة أعلى من اندماج السود في المحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه. في الصفحات الأولى من الكتاب يعود المؤلف للحديث إلى "الطفولة الصعبة" التي عاشها مالكولم اكس. كان أبوه "ايرل" قد توفي عام 1931 بحادث سير عندما كان يستقل حافلة نقل "ترومواي"، وعلى الأغلب نتيجة عمل "عنصري"، كما يشير المؤلف. وفي عام 1939، عندما كان عمر مالكولم 14 سنة عُهد بأمه إلى مصحة نفسية.
هكذا وجد الطفل نفسه في "مأوى" للأطفال اليتامى وخلال عدة سنوات امتدت من عام 1941 حتى عام 1946 مارس "مالكولم ليتل" كل الأعمال الممنوعة بما فيها تجارة المخدرات وغيرها ليجد نفسه في سجن شارلستون بولاية ماساشوستا حيث بقي فيه مدة عشر سنوات كاملة.
وخلف قضبان السجن بدأ التحول العميق في مسيرة حياة مالكولم ليتل الذي أصبح فيما بعد "مالكولم اكس". ومما ينقله المؤلف عنه قوله: "لا أعتقد أن أحدا استفاد من تجربة السجن مثلي". بكل الحالات أصبح مالكولم اكس أحد "النجوم الصاعدة" في حركة "أمة الإسلام" بعد خروجه من السجن وكان أول نشاطاته الواضحة توجهه إلى الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة حيث ساهم ببناء عدد من المساجد. ولكنه ابتعد، على خلفية خلاف كبير في السلوك، مع حركة "أمة الإسلام" وانفصل عنها ووصل عداؤها له إلى حد اغتياله من أحد أعضائها، كما تقول الروايات.
وعن شخصية مالكولم اكس يؤكد المؤلف أنه كان يتحلّى بقدر كبير من الذكاء ومن فهم ما يدور حوله بسرعة فائقة وأن يستخلص ما ينبغي عليه عمله. نقرأ: "منذ سنوات شبابه الأولى تخفّى مالكولم ليتل اسمه الأصلي- وراء أقنعة تخفي ذاته الداخلية عن العالم الخارجي. وطيلة السنوات اللاحقة ، عندما كان في زنزانة بسجن ماساشوستا أو عندما سافر وحيدا إلى القارة الإفريقية خلال ثورات التحرر من الاستعمار، حافظ دائما على قدرته المزدوجة في ترقّب أفعال الآخرين واستخلاص أقصى النتائج منها".
بل ويتحدث المؤلف عن "شرائح متعددة في شخصيته" جرى التعبير عنها باتخاذه سلسلة من الأسماء مثل مالكولم ليتل وجاك كارلتون، وديتروا ريد والحاج مالك. والتأكيد أن أية شخصية من هذه الشخصيات لم تستأثر به بصورة كاملة. بهذا المعنى يتم الحديث عن سلسلة من "الشخصيات المتجددة"، حيث كان "مالكولم اكس هو الأكثر شهرة"، كما يشير المؤلف. كان مالكولم اكس، كما يقدمه كاتب سيرته ، يقوم بعملية "إعادة اختراع" و"تجديد" لحياته، وبطريقة واعية، كي يخدم الأهداف المباشرة التي يسعى لتحقيقها. ذلك أيضا بدافع تأثره بالظروف الموضوعية الشخصية. ويؤكد المؤلف أن "التطور السياسي" لدى مالكولم كان حقيقيا. هكذا أصبح خلال العام الأخير من حياته واعيا جدا بالتعاليم الإسلامية ومناصرا للثورات المناهضة للاستعمار في إفريقيا والشرق الأوسط. كما أظهر في ذلك السياق دعمه للثورة الكوبية واهتمامه الكبير بقضايا حقوق الإنسان ومناهضة العنصرية.
وفي السنة الأخيرة من حياته أيضا واجه تهديدات مستمرة ضده وضد عائلته من قبل حركة "أمة الإسلام" التي غدت ترى فيه "عدوّا وخائنا". وقبل أسبوع واحد من اغتياله تعرّض منزله للحرق من قبل "مجهولين". وطيلة حياته وجّه مالكولم خطاباته للأميركيين السود من أصل إفريقي السود- في الأحياء التي كانوا يعيشون فيها معزولين عن غيرهم في المدن الأميركية الكبرى.
هكذا ينقل عنه المؤلف تأكيده في خطاب ألقاه عام 1957 أنه إذا لم يستطع "المثقفون السود" أن يفعلوا شيئا ما من أجل السود الذين يتم اضطهادهم وقتلهم في ظل "التفوق الأبيض" في الجنوب. وإذا لم يتوقف التمييز والممارسات العنصرية في الشمال من قبل أصحاب الشركات فإن "الإنسان البسيط في الشارع سوف يأخذ مصيره بيده". وفي جميع الحالات حرص المكتب الفدرالي الأميركي "اف.بي.آي" وجهاز شرطة نيويورك على ملاحقة حركات مالكولم اكس، وجرى دفع العديد من عناصر الشرطة والأجهزة السرية للتغلغل إلى المجموعات المحيطة به.
هذا كتاب يتعدّى مجرد كتابة "سيرة حياة" شخص ليقدم للقارئ جملة من المعلومات عن أميركا في سنوات الخمسينات والكثير من التعليقات والتحليلات السياسية. أما عن مالكولم الإنسان والمناضل فيرى به المؤلف أنه الرجل الذي مات بسبب إيمانه بالحريّة وصولا إلى تسميته بـ"منبع" حركة القوة السوداء في أميركا والتي أوصلت باراك اوباما لإلى سدّة الرئاسة.
له العديد من المؤلفات في عدادها: "لنتحدث بصراحة: دراسات حول العرق والمقاومة والتطرّف" و"التاريخ الأسود الجديد"، الخ.
المؤلف في سطور
مانينغ مارابل هو مدير ومؤسس قسم الدراسات الإفريقية- الأميركية في جامعة كولومبيا خلال سنوات 1993-2003 كما كان أستاذا فيها للتاريخ وللشؤون العامة. تولّى منذ عام 2002 إدارة المركز البريطاني للتاريخ المعاصر للسود.
الكتاب: مالكولم اكس، حياة متجددة
تأليف: مانينغ مارابل
الناشر: فايكنغ بوك- نيويورك- 2011
الصفحات: 608 صفحات
القطع: المتوسط
Malcolm X
Manning Marable
Viking Books
New York- 2011
608 .p
