تدل الإحصاءات الرسمية الفرنسية أن ما بين 30 إلى 40 طفلاً تبلغ أعمارهم ما بين 5 و12 سنة ينتحرون سنوياً في فرنسا. يضاف إلى هؤلاء، كما يرى الطبيب العصبي والنفساني بوريس سيرولنيك، عدداً من أولئك الذين يموتون بسبب «اضطرابات نفسية». عدد هؤلاء يبلغ نحو 70 سنوياً في فرنسا. الأمثلة على هذه الفئة يحددها بالطفل الذي «يتدلّى» كثيراً من النافذة أو يجتاز الشارع «شارداً». هذه الإحصائيات والتحليلات نجدها في كتابه الذي يحمل عنوان: «عندما ينتحر طفل».
تجدر الإشارة إلى أن وزارة الشباب في فرنسا كانت عهدت لمؤلف هذا الكتاب بمهمة دراسة ظاهرة «انتحار الأطفال». والتقرير الذي أعدّه حول هذا الموضوع يشكل في الواقع المادة الرئيسية لكتابه.
من الأسباب الرئيسيـــة التي يقدمها المؤلـــف للجوء طفل ما إلى وضع حد لحياتـــه قوله إن الأطفال تعتريهم اضطرابات نفسية بسبب موت أحد الأبوين أو بسبب حضورهم لشجارات وعنف داخل الأسرة. وهناك مصادر أخرى للتعرض للاضطرابات النفسية ليس أقلها شيوعاً «الإهمال العاطفي» للأطفال منذ ولادتهم أو عندما يتعرّضون لـ«اعتداءات» جسدية عليهم.
ويعبتر بوريس سيرولنيك أن الأوضاع الاجتماعية التي خلقتها موجات الهجرة وما ترتب عليها على الصعيد الاجتماعي تشكل أحد أسباب دفع بعض الأطفال إلى الانتحار أو على الأقل محاولة ذلك. نقرأ: «مشكلة القرن الحادي والعشرين ستكون هي مشكلة انتقال السكان. الجيل الأول الخارج من بلاده، الذي يتعرض للنهب أثناء السفر ويتم استقباله بصورة سيئة يتألم كثيراً لكن لا يلجأ للانتحار سوى قليلاً. المفارقة هي أننا نشهد لدى الجيل الثاني قدراً أكبر من الاضطرابات النفسية لدى الشبيبة وانتحارهم».
ما يؤكده المؤلف هو أن عدد الذين يموتون «انتحاراً» في فرنسا أكبر من عدد ضحايا حوادث السير. لكنه يشير مباشرة إلى ضرورة دراسة «انتحار الأطفال»، أي من هم دون سن الثانية عشرة، بطريقة أخرى، غير تلك المتبعة بالنسبة لانتحار المراهقين البالغين. ذلك أن «العالم الذهني للأطفال يختلف تماماً عن عالم الكبار»، وهذا يستوجب عدم الخلط.
ورغم «ضآلة» عدد المنتحرين من الأطفال فإن المؤلف يرى في هذه الظاهرة «إنذاراً» خطيراً للخلل في آلية عمل المجتمع المعني بها. وبعد الإشارة أن هناك «عاملاً وراثياً»، أي «في الجينات» بالنسبة لقابلية اللجوء إلى الانتحار، فإنه يؤكد بالمقابل أن هناك «حزمة من الأسباب» التي تدفع إلى ذلك. ذلك أن «الجينات تحدد لون عيوننا وطول قامتنا وبعض الأمراض التي قد تصيبنا، لكن بالنسبة للانتحار ينبغي أن نأخذ بالاعتبار مناخ المدرسة والأجواء العائلية».
المحيط الأسري والمدرسي والاجتماعي له دور كبير في تكوين ذهنية الأطفال. ولا يتردد المؤلف في القول إنه ينبغي تضافر الجميع «من أجل تربية طفل» مشيراً إلى أن المجتمعات نسيت الحكمة «المكتسبة بالتجربة» وهي أنه لا ينبغي أن يهتم الإنسان بأطفاله فقط ولكن أيضا بأطفال الجيران. المجتمعات الاستهلاكية الغربية أصبحت ذات نزعة فردية مفرطة. ويتم التركيز اليوم على الأم، «وهو دور مهم جداً بالتأكيد»، كما يشير المؤلف، ولكنها محاطة أيضاً بأب وعائلة وحيّ. ثم هناك أهمية فائقة للأقران الذين يعاشرهم الطفل. والطفل الذي يعيش حياة منسجمة في المدرسة ومحاط برفاق يحبهم يجد «نقاط ارتكاز» ويتطور بصورة جيدة. ويجد المؤلف، الطبيب النفساني أنه من الأهمية بمكان تشجيع «ثقافة الحي» و«ممارسة الرياضة في النوادي» و«تنشيط الحياة الكشفية». هذه الأمور كلها تزيد من عدد «نقاط الارتكاز» لتثبيت أقدام الأطفال في مسيرة الحياة ومواجهة مشاكلها.
ومن الأفكار الرئيسية التي يطوّرها المؤلف في تحليلاته، أن الطفل الذي يلجأ للانتحار لا يفعل ذلك بدافع «رغبة الموت»، ولكن بالأحرى بـ«رغبة قتل طريقة عيشه التي تشكل مصدر ألمه، وقتل النزاع بين والديه وعزلته». وهذا يختلف كثيراً عن انتحار المراهقين أو الكبار الذين «يعرفون سبب ما يفعلونه».
ويحدد المؤلف القول إن الطفل لا يستوعب تماماً مفهوم أن «لا عودة بعد الموت» إلا في سن ما بين السابعة والتاسعة من العمر.
ومما يشير إليه المؤلف، أن الفتيات يحاولن الانتحار أكثر بعشرة أضعاف ما يحاوله الصبيان لكن هؤلاء «ينجحون» أكثر منهن في المحاولة. لكنه يرفض تماماً مقولة «تفوّق» الذكور على الإناث، بل ويؤكد أن الفتيات يملكن في عمر 17 شهراً قدراً من الكلمات يحتاج الصبيان لستة أشهر إضافية لامتلاكه.
إحدى الملاحظات النهائية التي يقدمها المؤلف تتمثل في القول إن طفلاً يترعرع في ظل أب وأم متآلفين ويسهران على مراقبة وظائفه المدرسية، سيحصل بالضرورة على علامات جيدة. العلامات لا تعكس الذكاء لكنها مرآة للاستقرار العاطفي.
المؤلف في سطور
بوريس سيرولنيك طبيب عصبي ونفســـاني. وهو مدير للتعليم في جامعــة تولـــون. قدّم عشرات الكتب في عدادها «التعاسة الرائعة» و«الحديث عن الحب عند ضفاف هاوية» و«عن الجسد والروح».
الكتاب: عندما ينتحر طفل
تأليف: بوريس سيرولنيك
الناشر: اوديل جاكوب - باريس- 2011
الصفحات: 160 صفحة
القطع : المتوسط
Quand un enfant se donne la mort
Boris cyrulnik
Odile Jacob - Paris- 2011
160 .p
