تعيش كوبا منذ عام 1959 في ظل حكم الأخوين كاسترو. فيدل كاسترو منذ ذلك انتصار الثورة وحتى مرضه وعجزه عن ممارسة مهام السلطة، حيث خلفه أخوه راوول الذي لا يزال يتولى رئاسة كوبا. هذه الفترة الممتدة منذ ثورة 1959 وحتى اليوم هي موضوع الكتاب الذي يقدمه الكاتب والأستاذ الجامعي الأميركي من "أصل كوبي صموئيل فاربر تحت عنوان "كوبا منذ ثورة 1959".
هذا الكتاب يقدم في واقع الأمر نوعا من المحصلة العامة "الجرد" للثورة الكوبية منذ بداياتها حتى الوقت الراهن. إنها عملية تقييم كاملة تندرج في سياق تاريخي طويل ويستخدم المؤلف فيها العديد من المقارنات بين كوبا ودول المعسكر الاشتراكي السابقة "الشيوعية"، حيث إن الجزيرة الكوبية لا تزال أحد البلدان النادرة ذات النظام الاشتراكي بعد انهيار المنظومة الشيوعية. والإشارة منذ البداية أن النظام الكوبي تبنّى برنامجا إصلاحيا صارما، لكنه لم يؤد في الحقيقة سوى إلى زيادة الهوة بين "الشعارات الثورية" التي أطلقتها الثورية وبين واقع الحياة التي يعيشها الشعب.
ومنذ البداية أيضا يحدد المؤلف الموقع الذي ينطلق منه في تحليلاته بالقول: "تندرج جذوري السياسية في التقاليد اليسارية التقليدية التي سبقت الحقبة الستالينية حكم ستالين- في الاتحاد السوفييتي السابق". هكذا يقدم، بعيدا عن النظرة الليبرالية الجديدة كماً عن النزعة الشيوعية الستالينية، أشكالا من النقد للمسار الذي عرفته كوبا منذ ثورة 1959 على مختلف الصعد الاجتماعية والحكومية ومختلف مؤسسات السلطة بما في ذلك الحزب الواحد الحاكم.
ومن النقاط الأساسية التي يقف المؤلف عندها "آليات اتخاذ القرارات" في كوبا الثورية خلال العقود الأخيرة المنصرمة. ومن أكثر تلك القرارات ذلك الذي اتخذه فيدل كاسترو وقيادته عام 1962 والخاص بتفكيك شبكة الصواريخ التي كان السوفييت قد نصبوها في الجزيرة وإعادتها إلى روسيا بناء على إصرار السلطات الأميركية على ذلك، ووصول التوتر بين السوفييت برئاسة خروشوف والإدارة الأميركية في ظل جون كندي إلى حد التهديد باستخدام القوة المسلّحة.
هذا كتاب عن محصلة 52 عاما من عمر الثورة الكوبية منذ انطلاقها حتى اليوم. ولا يتردد المؤلف في القول إن مستقبل كوبا، على ضوء الفترة السابقة المدروسة، قد يشهد تحوّلا "تدريجيا" نحو نوع من "الديمقراطية التشاركية" ذات الطابع الاشتراكي بحيث تقوم بشكل أساسي على مبدأ قواعد "الأكثرية والأقلية" في مجال التناوب على السلطة. هذا إلى جانب احترام الحقوق المدنية والحريات العامة بالنسبة لجميع المواطنين الكوبيين المعنيين.
مثل هذه الرؤية المستقبلية "المتفائلة" تقوم على أساس التوصيف المقدّم على مدى صفحات الكتاب والذي يشرح المؤلف فيه واقع "التقدّم" الذي حققته كوبا على صعيدي "الازدهار الاقتصادي"، و"الحماية الاجتماعية"، خاصة بالنسبة للقطاع الصحي والطبابة بحيث أن البلاد تحتل إحدى المراتب الأولى فيما يتعلق بنسبة عدد الأطباء إلى عدد أفراد الشعب. إلى جانب الصورة "المتفائلة" التي يجدها القارئ فإن المؤلف يشير إلى وجود تعبيرات مختلفة عن "المعارضة الداخلية" وعن "التحديات الخارجية" التي تواجهها الجزيرة.
ومن النقاط التي تتكرر في تحليلات هذا الكتاب هناك التأكيد على الدور المركزي الذي لعبته هذه الدولة الصغيرة في منطقة الكاريبي على الصعيد التاريخي لمجمل بلدان أميركا اللاتينية. وكذلك الدور "المركزي" في التاريخ الإنساني الشامل خلال حقبة الحرب الباردة. ذلك أنها كانت بمثابة موقع متقدّم للمعسكر الاشتراكي الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفييتي السابق في مواجهة المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية.
إن المؤلف يقدم تحليلاته من موقعين متباعدين. الأول يتمثل في القول إن كاسترو ورفاقه تحرّكوا وقاموا بثورتهم من أجل منع الولايات المتحدة من فرض هيمنتها على الجزيرة. والموقع الآخر يكمن في اعتبار أن كاسترو ورفاقه لم يكونوا يريدون منذ البداية سوى إقامة نظام يكونون على رأسه بمساعدة الاتحاد السوفييتي السابق. لكن في الحالتين اتخذت جميع الحكومات الأميركية موقفا سلبيا، بل معاديا، للثورة الكوبية.
ولعل هذا الكتاب أحد أكثر الكتب اكتمالاً عن الثورة الكوبية منذ عام 1959، خاصة من حيث إنه يقدّم كمّاً كبيراً من المعلومات عن تطوّر السياق الاجتماعي والسياسي للثورة الكوبية. كما يشكل الكتاب مساهمة جدية في النقاشات الدائرة حول مستقبل الأنظمة الاشتراكية التي غدا النظام الكوبي هو أحد تعبيراتها الأخيرة بعد انهيار جدار برلين عام 1989 ثم تفكك الإمبراطورية السوفييتية عام 1991. ومن نقاط قوة هذا العمل اعتماد المؤلف عن العديد من المصادر "المباشرة" بناء على معرفته العميقة بالنظام السياسي وبالمجتمع الكوبيين.
وعملية "جرد" كاملة لما حققته الثورة الكوبية من منجزات وما عرفته من إخفاقات منذ عام 1959 وحتى اليوم، ومدى عمق الهوة بين الشعارات الثورية والحياة الحقيقية للشعب الكوبي.
المؤلف في سطور
صموئيل فاربر، كاتب أميركي من أصل كوبي. يعمل أستاذا في جامعة بروكلين. وهو متخصص بالعالمين السوفييتي والكوبي خاصة، والعالم الاشتراكي السابق عامة. ومن مؤلفاته: "الثورة وردود أفعالها في كوبا" و"أصول الثورة الكوبية".
الكتاب: كوبا منذ ثورة 1959
تأليف: صموئيل فاربر
الناشر: هــايمــــاركــــت- نيويورك- 2011
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
Cuba since the revolution of 1959
Samuel Farber
Haymarket Books- New York- 2011
400.p
