ينطلق الكتاب، ضمن مناقشاته وبحثه، من نقاط ارتكاز مفصلية، اذ يعنى مؤلفه د.حسام بدراوي، بتناول محاور رؤية حاكمة تأثر فيها، بمنهج الراحل د. طه حسين في التعليم، في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، والتي جاءت كنظرية في مقولته: "إن الجامعة لا يتكون فيها العالم وحده، وإنما يتكون فيها الرجل المثقف المتحضِّر الذي لا يكفيه أن يكون مثقفًا، بل يعنيه أن يكون مصدرًا للثقافة، ولا يكفيه أن يكون متحضرًا، بل يعنيه أن يكون منمِّيًا للحضارة" .
وفي ضوء هذه الرؤية بدأ المؤلف الكتاب بفصل عام عن "الأمل في الإصلاح" وضع فيه 12 دعامة رآها لازمة وضرورية لحدوث النهضة في مصر، يتخللها جميعًا ويكوِّن وجدانها : الثقافة والتعليم. ثم يعرج بدراوي على دور الجامعات كمعبر وبنية اساس للحضارة وإصلاح التعليم العالي، وايضا البعثات الخارجية كطريق للتنوير، وفي هذه النقطة يرى أن "حجم الإنفاق على البعثات الخارجية لا يواكب طموحات الدولة والجامعات والمجتمع في خلق حركة التنوير، حيث إن التاريخ المصري الحديث يؤكد أن النهضة والتنوير في العهود المختلفة، كانت تتوافق بشكل أو بآخر، مع الانفتاح على العالم، وإرسال المبعوثين للتعليم والحصول على المعرفة والتبادل الثقافي" .
ويشير المؤلف الى ان الإطار الوطني للمؤهلات في مصرهو الإطار الذي يحدد مستوى لكل مؤهل من المؤهلات الوطنية، تبعًا لمجموعة من المؤشرات المرجعية، والتي توضح مكونات التعليم الذي يشكله المؤهل، ويستخدم كأداة للمقارنة بين مخرجات التعليم، وتتجلى فائدة هذا الإطار في تنظيم سوق العمل، والتوفيق بين العرض والطلب، وحراك العمالة محليا ودوليا، وهو ما ينظر إليه كوسيلة لإتاحة التعليم لجميع الأفراد ومدى الحياة . ويعبر عن خوفه، بشأن الفرصة المتاحة لبرنامج "تطوير التعليم الفني والتدريب المهني في مصر" والذي يموله الاتحاد الأوروبي، والحكومة المصرية، من انتقاله، بعد انتهائه، إلى فرصة أخرى ضائعة، وذلك إذا لم يتم تحويله إلى مؤسسات عاملة بالمنهج نفسه الذي ثبت نجاحه في أوروبا .
واما الدعامة الأساسية في العملية التعليمية، أي : المدرس، فيصفها د. بدراوي بالهم الكبير، نظرًا لما بُذل من جهد عبر عشـرات السنين لرفع مستوى المعلم ورفع قيمته، لكنه جهد- كما يقول عنه: "لم يحقق الهدف منه، فما زالت هناك تحديات تواجه كليات التربية، وأبرزها : عدم التنسيق بين أساتذة المواد التخصصية والمواد التربوية، في ضوء وحدة أهداف إعداد المعلم الكفء، القادر على تحقيق المعايير القومية للتعليم، وضعف التواصل بين الطلاب والأساتذة، وعدم الالتزام بالساعات المكتبية، وغياب الإرشاد الأكاديمي". ولعل من أخطر وأهم فصول الكتاب فصل "الفرص الضائعة"، وفيه يمزج د. بدراوي، بين خبرته الذاتية في تطوير التعليم، وبين المنهج العلمي. ويرصد فيه تباطؤ الحكومات السابقة في تنفيذ رؤاه، وركنها أحيانًا. وهو الذي قَدَّم لهم الدراسات والأبحاث، وبعد أن وافقت الحكومة القديمة على هذه الرؤى بعد إصرار منه، لم يتم التنفيذ، غير أن ما يدهش أكثر أن الفرص الضائعة لا تقتصر في نظره على التعليم فقط، بل كانت سائدة في مجالات تنموية أخرى كثيرة، فنبدأ في كل مرحلة وكأننا نبدأ من جديد، بالأسئلة نفسها، بلا ذاكرة مؤسسية لما مضى من حكومات، ويجد انه لعل الفرصة سانحة الآن لتنفيذ كل هذه الرؤى المتطورة في مجالات النهضة، لمصر كافة . وفيما يتعلق بالتحديات التي تقابل تنفيذ السياسات المطروحة لتطوير التعليم، فيرصد المؤلف منها: "أولا- تحدي عدم ملاءمة التمويل لسياسات التطوير، وهو الركيزة الأولى التي تعبر عن الإرادة السياسية. وثانيا- تحدي تنمية مهنة التدريس باعتبار أن المدرس هو محور التطوير. وثالثا- تحدي اعتبار المدرسة وحدة التطوير الأولى كما أظهرت تجارب العالم، ورابعا- تحدي الانتقال إلى نمط لامركزي في إدارة العملية التعليمية، وهو ما سيعبر بفكرة تطوير التعليم إلى مساحة أوسع من الديمقراطية والمشاركة المجتمعية. وحول علاقة التعليم بالمواطنة، يؤكد د. بدراوي ان " المواطنة بمعناها الأساسي، وهي علاقة الفرد بالوطن الذي ينتسب إليه، التي تفرض حقوقا دستورية وواجبات منصوصا عليها، بهدف تحقيق مقاصد مشتركة ومتبادلة. والمواطنة الإيجابية لا تقتصر على مجرد دراية المواطن بحقوقه وواجباته فقط، ولكن حرصه على ممارستها من خلال شخصية مستقلة قادرة على حسم الأمور لصالح هذا الوطن. ويؤدي التطبيق المجتمعي لمفهوم المواطنة في المؤسسات كافة إلى تنمية مجموعة من القيم والمبادئ والممارسات التي تؤثر في تكوين شخصية الفرد، والتي تنعكس في سلوكه تجاه أقرانه وتجاه مؤسسات الدولة، وكذلك تجاه وطنه".
المؤلف في سطور
د.حسام بدراوي. باحث وكاتب مصري. يعمل أستاذا في كلية الطب بجامعة القاهرة، وهو رئيس قسم النساء وأمراض التوليد في كلية طب القصر العيني. تلقى دراساته العليا بأميركا، ونال درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم من جامعة ساندرلاند بإنجلترا. كما أنتخب عضوا في البرلمان، ورئيسا للجنة التعليم والبحث العلمي، وتميز برؤيته الواضحة في مجال إصلاح التعليم.
