برزت النزعات القومية والإثنية بشكل ملحوظ في عالم ما بعد انهيار المنظومة الشيوعية وسيادة "العولمة" وإذا كانت هذه الظاهرة تتسم بالعمومية حيث تطال جميع مناطق العالم، فإنها أكثر بروزا في العالم الروسي منذ بداية عقد التسعينات الماضي. هذا ما تحاول الأستاذة الجامعية ايليز جيليانو أن تشرحه في كتابها الذي يحمل عنوان: "نشوء الشكوى"، مع عنوان فرعي يقول: "القومية الاثنية في الجمهوريات الروسية".
تبدأ المؤلفة بالتأكيد أن مطالبة القوميات باستقلالها الوطني يدل على "فاعلية" النزعات القومية ودورها في صياغة مطالب الشعوب. وهذه النزعات المعاصرة تستطيع أن تجذب متحمسين بسرعة وبحماس. لكن هذا لا يمنع واقع أنها قد تفقد دعمها بسرعة أيضا. إن المؤلفة تحاول في هذا الكتاب البحث عن الأسباب التي تدفع البشر للانضواء تحت راية الانتماء القومي الاثني، ولكن أيضا الأسباب التي تدفع إلى التردد في حالات أخرى. تتمثل إحدى الأفكار التي تؤكد عليها المؤلفة في القول إن الدعم الشعبي للنزعة القومية يكون "عابرا" في أغلب الأحيان. على خلفية مثل هذا الفهم للمسألة القومية والاثنية تقوم المؤلفة بالمقارنة بين 16 جمهورية اثنية في الفدرالية الروسية، المسمّاة اختصارا بـ"روسيا". وتبيّن أن التعبئة القومية تنوعت كثيرا خلال عقد التسعينات رغم أن الإرث السوفييتي يشكل المرجعية المشتركة لمختلف الجمهوريات المعنية.ومن الجوانب المهمة في هذا الكتاب أنه يرسم "خارطة" للمكونات الاثنية واللغوية والدينية في روسيا. والإشارة أولا أن كلمة "روسي" تعني الانتماء إلى روسيا بعيدا عن الانتماء الاثني. وأغلبية الروس هم من المسيحيين الارثوذكسيين، مع الإشارة أن الكنيسة الارثوذكسية لعبت دورا كبيرا في تطوير الهوية الوطنية الروسية. والإشارة أيضا أن هناك عودة قوية لدى الروس نحو الكنيسة بعد انهيار النظام السوفييتي "الشيوعي". لكن هذا لا يمنع واقع أن الإقبال على الكنائس لا يزال ضعيفا.
لكن روسيا تمتعت باستمرار بوجود دولة مركزية قوية أقامت شرعيتها على مفهوم الاتحاد الفدرالي وعلى التعددية القومية حيث توجد في روسيا 128 قومية. ولا شك تُطرح في هذا السياق مسألة الوصول إلى سياسة منسجمة لضبط العلاقات بين المركز والمناطق، وبين السلطة السياسية والسلطات الجديدة التي وُلدت ونمت وترعرعت مع تبنّي اقتصاد السوق. وتلاحظ المؤلفة أن روسيا، وعلى عكس ما يمكن أن يشير إليه واقع "الإجماع اللغوي" حيث إن جميع الروس يتحدثون اللغة الروسية، ليست متجانسة اثنيا. واتساع مساحة روسيا يسمح باستشفاف مدى التعقيد وعمق التمازج الذي تتسم فيه مختلف المناطق الروسية وبحيث يمكن الحديث عن أمم جيورجية وأمم قوقازية وأمم آسيوية.
وبكل الحالات حازت مسألة العلاقات بين الاثنيات على اهتمام خاص من قبل الدولة الروسية. وكل الدلائل تشير إلى أن هذه العلاقات ستحدد المحاور الرئيسية للتوجّه الروسي خلال السنوات القادمة. ذلك أن روسيا فيها 160 شعبا يتحدثون حوالي 200 لغة. بالإضافة إلى اللغة الروسية وما يمثّل "تراثا فريدا من نوعه ومن المهم جدا المحافظة عليه"، كما نقرأ.
وما تؤكده المؤلفة في المحصلة هو أن بعض الجمهوريات المستقلة ذاتيا في إطار الفدرالية الروسية مثل تاتارستان لم تؤد النزعة القومية الواضحة إلى المطالبة بالانفصال أو إلى ممارسة العنف. هذا مع تصاعد أصوات "القوميين" بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن سرعان ما "خفتت" تلك الأصوات.
بحث ميداني
بالاعتماد على سلسلة من الأبحاث الميدانية في جمهورية «تاتارستان»، وعلى التحليل المقارن للخطاب القومي والاثني في مختلف الصحف ووسائل الإعلام المحلية الروسية، يؤكد الكاتب أن المرجعيات الاثنية والقومية تطورت بسرعة في بعض الجمهوريات بعد سقوط النظام الشيوعي عندما ركز الخطاب و»الرسائل» التي صدرت عن القادة القوميين على عدم التساوي بين الاثنيات في الحصول على فرص العمل في الأسواق المحلية. ذلك خاصة في ظل حركات داعية للانفصال عن الفدرالية الروسية.
المؤلفة في سطور
تعمل ايليز جيليانو، أستاذة في جامعة كولومبيا الأميركية لمادة العلاقات الدولية والسياسات الخارجية. وهي تعنى بشكل خاص بالمسألة القومية والإثنيات في روسيا.
الكتاب: نشوء الشكوى
القومية الاثنية
في الجمهوريات
الروسية
تأليف: اليز جيليانو
الناشر: جامعة كورنيل
2011
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Constructing Grievance
Elise Giuliano
Cornell University Press- 2011
256 p.
