يتحدث المحللون والمراقبون اليوم عن تركيا الصاعدة، ويكرر كُثر أنها وريثة تاريخ عريق وساهموا في صياغة التاريخ الإنساني كلّه. هذا المسار التاريخي لتركيا اليوم ولحاضرها هو موضوع كتاب الصحافي الأميركي هوغ بوب، المراسل السابق لصحيفة «وول ستريت»، والأخصائي الشهير عالميا بالعالم التركي، الذي يحمل عنوان «أبناء الفاتحين».
«أبناء الفاتحين»، كما يقدمهم المؤلف هم ورثة جيوش من الرحّل الذين كانوا قد فتحوا سابقا الصين والإمبراطورية البيزنطية. ولكنه يشير في مقدّمة الكتاب أنهم لم ينالوا حقّهم من الدراسة رغم ماضيهم الباهر ومستقبلهم الذي يعد بالكثير. هذا فضلا عن النموذج الذي يتسم بعدد من السمات تجعله فريدا إلى حد كبير، خاصّة في علاقتهم الوثيقة مع الغرب العلماني وموقعهم المتميّز في العالم الإسلامي.
إن دراسة «العالم التركي وازدهاره» كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، تتم في ستة أقسام يحتويها ابتداء من قسم تحت عنوان «أمّة من الجنود» وانتهاءً بقسم عن تركيا في القرن الحادي والعشرين يحمل عنوان «القرن الحادي والعشرون هو قرننا»، والمقصود بالطبع هم الأتراك؛ ومرورا بأقسام عن «الإسلام حسب المنظور التركي» و«التاريخ المتفرّد» و«ملامح القوّة التركية» و«المياه والبترول».
ويؤكّد المؤلف القول في مقدمة الكتاب «كلما تعمّقت في دراسة الشعوب التركية يزداد عجبي من نسيانها هذه المدّة الطويلة». والإشارة أن هناك حوالي 140 مليون نسمة في العالم يتحدثون اللغة التركية، مما يجعلها إحدى «العائلات اللغوية العشر الأكبر في العالم». وينقل المؤلف عن ضابط بريطاني قوله عندما كان يهمّ للسفر إلى منطقة تركمانستان ـ حاليا ـ عام 1835 قوله: «إن معرفة اللغة الفارسية ستساعد المسافر، لكن معرفة اللغة التركية أكثر فائدة بما لا يقاس».
هذا الكتاب هو نوع من محاولة الاكتشاف والتعريف بالمناطق التي يتحدث سكانها اللغة التركية، والتي كانت قد أخذت في القرن التاسع عشرة تسمية بلدان «طرق الحرير». لكن اليوم «لم يعد بالإمكان التعامل مع الشعوب المعنيّة ـ التي تشكّل العالم التركي ـ انها مجموعات مهملة عند عتبة أوروبا والشرق الأوسط أو كمجموعات مهمّشة خاضعة للسلطة الروسية أو الصينية، أو كحلفاء بعيدين للولايات المتحدّة الأميركية، والذين تعتبر أوروبا أنهم أصبحوا بحوزتها»، كما يعبّر المؤلف مؤكّدا أن العالم التركي ينهض حقيقة.
وينقل المؤلف عن الرئيس التركي الأسبق تورغوت اوزال قوله عام 1992 ان «لنا نفس الجذور وبهذا نشكّل أسرة واحدة وكبيرة. وإذا لم نرتكب أخطاءً جسيمة فإن القرن الحادي والعشرين سيكون قرنا تركيا». كما يتمّ التأكيد في هذا السياق على أن الشعوب التركية كانت قد تعرّضت للسحق من قبل جيرانها الأكثر قوّة خلال القرون المنصرمة. لكنها عرفت كيف ترفع رأسها لتشكّل أمّة تتلفت نحوها أنظار العالم.
ويشرح المؤلف أن الأتراك كانوا في ظل الامبراطورية العثمانية مجموعة من أصحاب المزارع أو الجنود أو الموظفين أو التجار أو رجال الدين. لكن الطبقة المسيطرة التركية كانت تحتقر للتجارة بمقدار ما كانت تحتقرها الأرستقراطية الإنجليزية في القرن الثامن عشر. وكان الأتراك فرسان أشدّاء، لكن الأرمن كانوا هم من يصنع حدوات أحصنتهم.
ويرى المؤلف أن الفترة التي سبقت تحلل الامبراطورية العثمانية عرفت الكثير من أشكال التمييز وفرض الضرائب العقابية وتزايد بالتوازي الانجذاب نحو الغرب الأكثر ازدهارا. وكانت النتيجة المباشرة هي أن الأتراك غير المسلمين غادروا جميعهم تقريبا البلاد. كما عرفت تركيا في سنوات العشرينات من القرن الماضي مع مصطفى كمال اتاتورك، نزوعا نحو تدعيم دور الدولة وبناء الاقتصاد على أسس جديدة تستلهم من النموذج ـ الموديل ـ الأوروبي. وبهذا المعنى يحدد مؤلف الكتاب القول ان الأتراك اتجهوا نحو «نظام علماني على الطريقة الأوروبية».
تتم الإشارة في هذا السياق أن نفس الظاهرة تكررت خلال سنوات التسعينات من القرن الماضي، العشرين، عندما غادر الروس والأرمن والأقليات الأخرى الجمهوريات السوفييتية السابقة الناطقة بالتركية.
بل ويشير المؤلف إلى أن حملة الشهادات العليا من أكبر الجامعات الأميركية ذات الشهرة العالمية يبدون استعدادهم للعمل في وظائف ذات دخل متواضع في دوائر الدولة التركية. هؤلاء الجامعيون لا يبحثون عن إقامة بعض الصلات فحسب، لكنهم، وإن كانوا لا يمضون سوى عدّة سنوات في خدمة الدولة، يحسّون بالحاجة كي يعيدوا للوطن بعض ما كان قد قدّمه لهم. نقرأ: «هذا الحسّ الوطني راسّخ في الروح التركية أكثر من الميل إلى البذخ، وهو الذي ينقذ البلاد كلّ مرّة تشبّ فيها أزمة».
ويحدد المؤلف القول ان العالم التركي بمجمله، أي تركيا والجمهوريات السوفييتية السابقة التي يتحدّث سكانها التركية، وبعض المجموعات السكانية القديمة في سيبيريا والصين، يشكّل مجالا جغرافيا كبيرا، ولا شك أن تركيا تبقى هي الدولة المركزية والأكثر قدما والأكثر قوّة. وكانت قد عرّفت نفسها لفترة طويلة من الزمن على أنها تلعب دور المركز المتقدّم للحلف الأطلسي. لكنها تمثّل بالمقابل كبلد ديمقراطي يقرع أبواب الاتحاد الأوروبي.
وفي المحصّلة النهائية للتحليلات المقدّمة في هذا الكتاب يرى المؤلف أن الأتراك الذين «تحروا عبر الانفتاح على العالم عند نهاية الحرب الباردة وهم يتقدمون نحو مستقبل واعد». هذه هي النتيجة التي يصل إليها عبر نوع من التحقيق السياسي والثقافي. وعبر الكثير من الحكايات والقصص عن الأتراك منذ «نزولهم» من السهوب الآسيوية وحتى الدور الجيوسياسي الحديث، ومرورا بالإمبراطورية العثمانية. ولا شك أن هذا العمل يقدّم الكثير من المعلومات عن الثقافة التركية وعن تاريخ العالم التركي.
العالم التركي
يشرح الكتاب أن كازاخستان هي الدولة التي خرجت أكثر عافية من بين الدول الخمس الناطقة بالتركية، التي كانت في إطار الاتحاد السوفييتي. الدول المقصودة هي أذربيجان وتركمانستان وأوزباكستان وكازاخستان وجمهورية قرغيزيا. وتم إعادة ازدهار اذربيجان لكونها تبنّت تحرير أسواقها واستفادت من العوائد البترولية ومن صناعات الحديد والفحم وعدد من الصناعات الأخرى. هذا فضلا عن أنها غدت مركزا ماليا مهما في هذه المنطقة من العالم.
المؤلف في سطور
هوغ بوب هو أحد أشهر الأخصائيين العالميين بتركيا والعالم التركي، كان قد أمضى سنوات طويلة في تركيا. عمل لفترة طويلة مراسلا لصحيفة «وول ستريت». وله مساهمات عديدة عن مختلف مظاهر التاريخ والمجتمع التركيين منذ القديم حتى الحقبة الراهنة.
الكتاب: أبناء الفاتحين
العالم التركي
وازدهاره
تأليف: هوغ بوب
الناشر: جامعة لافال
بلجيكا 2011
الصفحات: 434 صفحة
القطع: المتوسط
Fils de conquerants
Hugh Pope
Presse universitaire de Laval
434 p.
