يبحث المؤلف يامن خالد يسوف رؤى التوازن الدولي من منظور منهجي يرى انه يمكن تقسيم توازنات القوى في العلاقات الدولية إلى نوعين، وهما: أولا توازنات القوى البسيطة وهي تتألف من دولتين أو من مجموعتين متنافستين وقواهما متعادلتان نسبياً. ومن أمثلة هذه التوازنات التحالف الفرنسي- الروسي عام 1893، ضد التحالف الثلاثي الذي كان يضم كلاً من ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية وإيطاليا. وثانياً توازنات القوى المعقَّدة أو المتعددة، وهي التي تتكوَّن من مجموعات قوى كثيرة تعمل على موازنة بعضها بعضاً، وليست هناك حدود قصوى لعدد تلك المحاور والتجمعات في ظل النظام المتعدد لتوازن القوى، وساد هذا النوع من التوازن في أوروبا في القرن الثامن عشر.
وحسب الباحث يسوف فإنَّ هناك عدداً من الباحثين يرى ويشير المؤلف الى انَّ اندلاع الحرب العالمية الثانية ومن ثمَّ إنشاء منظمة الأمم المتحدة، وما تبعها من اختفاء قوى دولية وظهور قوى جديدة على الساحة الدولية، وكذلك اختراع السلاح النووي، كل ذلك أدى إلى تغير شكل التوازن والدول الداخلة فيه، حيث تمثل هذا التوازن الجديد بكتلتين رئيستين تملكان الأسلحة النووية هما: الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي سابقاً، والكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 انتقل نظام العلاقات الدولية من نظام الاستقطاب الثنائي إلى نظام القطب الواحد، أي تفرُّد الولايات المتحدة الأميركية في إدارة الشؤون الدولية وفقاً لمصلحتها ومخططاتها، وبهذا اختلَّ التوازن بين القوى، أو فقد محتواه الذي كان قائماً في النظام القديم، وبرزت الدعوة لإقامة "نظام دولي جديد".
ويلفت المؤلف الى انه يشير اصطلاح الحرب الباردة الذي شاع استخدامه في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، إلى وجود حالة من التناقض الجذري في المصالح والعداء الواضح في الأيديولوجيا بين القطبين المتصارعين والممثلين بالنظام الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والنظام الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي ذلك الحين، ولكن هذا التناقض والعداء بين القطبين لم يصل إلى حد الانفجار على شكل حرب عالمية، وإنما ظلت الوسائل والأدوات المستخدمة في إدارة هذا الصراع الدولي دون مستوى هذه الوسيلة المتطرِّفة من وسائل العنف المسلح. من هنا تميزت المراحل الأولى من تطور الحرب الباردة بوجود مناخ عالمي مليء بكل أسباب الصراع العقائدي والتوتر السياسي، والتهديد الدبلوماسي والحرب النفسية والدعائية والضغوط الاقتصادية.
ويشرح يسوف انه بعد ان بدات مرحلة تفكُّك الاتحاد السوفييتي تلوحُ في الأفق، شرع الحديث عن إمكانية ولادة نظام دولي يُدخل الإنسانية في عهد جديد سمته الرخاء والتكافل والديمقراطية، وقد أعلن الجانب المنتصر "الولايات المتحدة الأميركية" بثقة عن ظهور "نظام دولي جديد"، خالٍ من الإرهاب وقادر على تحقيق العدالة والسلام. ومن ثمَّ لا يلبث المؤلِّف يذكِّرنا أن الأمانة العلمية تفرض على الباحث الاعتراف بالدور الكبير لمفكري الأمة الإسلامية في التنظير من أجل إنشاء منظمات دولية تجمع بين الشعوب الإسلامي.
ثمِّ يخلص الباحث إلى استنتاج يرى فيه أنّ العولمة قد تأخذ أشكالاً متعدِّدة ومتنوِّعة، ومع تعدُّد وتنوُّع أشكالها يتعدَّد ويتنوَّع تأثيرها على التوازن الدولي، وبالتالي كلَّما كانت الدولة قادرة على السيطرة أو التأثير بشكل كبير على أكبر عدد ممكن من أشكال العولمة، زادت قدرتها على السيطرة والانفراد في إدارة شؤون العالم، أي كلما كانت كفة توازن القوى لصالحها.
مفهوم
يعرِّف الكتاب مفهوم التوازن الدولي، على اساس أنه مبدأ أو سياسة تتبعها دولة أو تحالف دولي، في مواجهة دولة أو تحالف دولي آخر، بحيث لا يتاح لدولة مع حليفاتها، الاستئثار بالنفوذ الدولي وفرض سيطرتها على باقي الدول.. كما ان التوازن يصف الحالة أو المرحلة التي تعيشها العلاقات الدولية عند انتقالها من الحرب إلى السلم وبالعكس، أي الفترة التي تغيب عنها الحرب.
المؤلف في سطور
يامن خالد يسوف، باحث وكاتب سوري، متخصص في مجال السياسات الدولية والاستراتيجيات. شغل عدة مهام ومسؤوليات في المجال. وقدم مجموعة دراسات وأبحاث، الى جانب عدة كتب.
الكتاب: واقع التوازن
الدولي
بعد الحرب
الباردة
واحتمالاته
المستقبلية
تأليف: يامن خالد يسوف
الناشر: و زارة الثقافة
السورية
دمشق 2010
الصفحات: 463 صفحة
القطع: الكبير
