أمضى الصحافي والكاتب والرحّالة الفرنسي سيلفان تيسون الكثير من وقته متنقلا في بلدان آسيا الوسطى. وديانها وشعابها وجبالها وسهوبها. هذا قبل أن يعيش مغامرة العزلة في غابات سيبيريا بعيدا عن "الحضارة" في كوخ. ومن خلال تلك التجربة في قلب المنطقة السيبيرية خرج بكتاب مثير للمتعة والدهشة تحت عنوان "في غابات سيبيريا".

إن جملة في هذا الكتاب تدل كثيرا عمّا كان يبحث عنه صاحبه من العيش وحيدا في كوخ بسيبيريا لمدة ستة أشهر كاملة. إنه كان يبحث عن "السلام"، سلامه الداخلي. نقرأ: "يكفي مجرد طرح السؤال على السكون في مكان عمّا لم يعد يقدمه الترحال لي: السلام". هكذا وبحثا عن "السلام" وعن "الحرية" كما يكرر سيلفان تيسون القول، وجد الحل "الجذري والقديم" المتمثل في العيش بعيدا عن الآخرين، كما كان يفعل البعض في روسيا القديمة. يشير المؤلف أنه اختار "تجربة الصمت" و"العزلة" و"البرد" خلال مغامرته التي استمرت بين شهر فبراير 2010 وشهر يوليو من نفس السنة. ومكان إقامته كان "كوخاً" بناه باحثون جيولوجيون سوفييت في زمن رئاسة ليونيد بريجنيف. تبلغ مساحته حوالي تسعة أمتار مربّعة وتتم تدفئته بواسطة مدفأة مصنوعة من الفخار، ويحتاج الوصول إلى أول قرية انطلاقا منه ستة أيام سيرا على الأقدام.

ما يؤكده فيليب تيسون هو أن تجربة العيش في حالة عزلة عن العالم تفرض على صاحب المغامرة التقيّد بـ"إيقاع صارم" في الحياة اليومية. وإيقاع الحياة الذي تبنّاه تمثّل بالخط العريض في القراءة أو الكتابة أو الرسم خلال الفترة الصباحية ثم الاهتمام لمدة خمس ساعات تالية بتأمين متطلبات العيش من قطع الأخشاب وإبعاد الثلوج المتراكمة من جدار الكوخ وتحضير أدوات صيد السمك من بحيرة "بايكال" القريبة.

المسألة الأكثر قسوة في تجربة العزلة عن البشر بالطريقة التي اختارها يحددها بـ"نجاح المرء في تحمل نفسه"، إذ إن عكس ذلك يعني خوض "مواجهة" دون إمكانية الاعتماد على أحد فـ"لا كتف" و"لا وجه" في الجوار. وكان شابوروف، حارس الغابات الذي أوصله في اليوم الأول للكوخ، يدرك ذلك جيدا، إذ قال له: "هذا مكان رائع للانتحار".

أما أحد الدروس الأكثر أهمية التي استخلصها المؤلف من تجربته النادرة فيحدده بالقول إنه عندما يكون كل شيء نادرا فيما يحيط بالإنسان، على عكس عالم الوفرة الذي يشهده البشر اليوم، فإن الإنسان لا يركّز اهتمامه سوى على ما هو "أساسي" وليس ما هو "استهلاكي". فكيف إذا كانت درجة الحرارة في الخارج أقل من 30 تحت الصفر ومصدر التغذية الأساسي هو الأسماك في البحيرة المجاورة.

الملفت للانتباه أن سيلفان تيسون يكيل في هذا الكتاب "المديح للرقابة" في مواجهة الحركة المفرطة التي يفرضها إيقاع الحياة الحديثة. ويبدو بوضوح رفضه لما يسميه "حضارة المدن" اليوم. نقرأ: "إن البرودة والصمت والعزلة حالات سيتم التفاوض من أجل الحصول عليها غدا بأسعار مرتفعة أكثر من الذهب اليوم. وعلى أرض مكتظة بالسكان أكثر مما ينبغي، وساخنة أكثر مما ينبغي ومليئة بالضجيج، لا شك أن كوخا في غابة هو بمثابة فردوس الدورادو- حقيقي". ولا يجد القارئ في هذا الكتاب أي أثر للشكوى من ظروف الحياة التي صادفها المؤلف في "كوخه" السيبيري. على العكس، لم تكن عزلته "دعوة للانتحار" بل كانت بمثابة "انبعاث" حقيقي، كما يقول. وجد كما يؤكد أن العزلة "خصبة" ويمكنها أن تمثل دعوة للاندفاع باتجاه الحياة.

نقرأ: "لقد فهمت في وقت مبكّر أنني لن أستطيع فيه أن أفعل الشيء الكثير من أجل تغيير العالم. فقررت أن أعيش وحيدا لفترة من الزمن في كوخ بغابات سيبيريا. لقد حاولت أن أكون سعيدا وأعتقد أنني قد نجحت في ذلك".

ويسأل المؤلف متأمّلا: "وماذا لو كانت الحرية في القدرة على التصرّف بالوقت؟ وماذا لو كانت السعادة تكمن في التمتع بالعزلة والرحابة والصمت، أي بكل الأشياء التي سوف تكون غائبة بالنسبة لأجيال المستقبل"؟ ويجيب عن هذه التساؤلات كلها بالقول: "طالما ستكـــــون هناك أكواخ في أعماق الغابات، لن تكون خسارة البشر كاملة".

لا شك أن المتعة كبيرة بقراءة ما كتبه سيلفان تيسون من انطباعات، ويومـــا بيوم تقريبا، بمواجهة الصمت العميق، وما عاشه من "نضال" كي يؤمّن سبل البقاء في أحضان طبيعة قاسية و"معادية". إن القارئ يصطحب صاحب المغامرة عبر ما كتب عمّا عرفه من خيبات الأمل والشكوك، ولكن أيضا من لحظات "النشوة" والسلام الداخلي والوئام الروحاني مع الطبيعة، رغم قساوتها.

نقرأ في إحدى الجمل النهائية من الكتاب: "الحياة في كوخ تعلّم كيفية شغل كل لحظة وعدم انتظار شيء من المستقبل وقبول ما يجري وكأنه عيد. إن عبقرية المكان تساعد على مقاربة الزمن".

»الانفراد بالذات«

الحياة في العزلة هي أيضا حياة من الزهد و"من الانفراد بالذات" في رحلة لعيش المغامرة الإنسانية الداخلية. هذا ما يعبّر عنه سيلفان تيسون بالقول إنه كان "يوشوش لذاته" أمام خوض تلك المغامرة: "سوف أعرف أخيرا إذا كنت أمتلك حياة داخلية". ما يبدو بوضوح هو أن المؤلف عاش تجربة زاخرة بالتأمّل بالزمان والمكان والجمال والعالم الذي نعيش فيه.

المؤلف في سطور

سيلفان تيسون، صحافي وكاتب ورحّالة فرنسي. قام برحلة حول العالم على ظهر درّاجة هوائية. يمضي الكثير من وقته منذ عام 1997 في منطقة آسيا الوسطى متنقلاً في مختلف بلدانها.

الكتاب: في غابات سيبيريا

تأليف: سيلفان تيسون

الناشر: غاليمار - باريس

- 2011

الصفحات: 268 صفحة

القطع: المتوسط

Dans les forêts de Sibérie

Sylvain Tesson

Gallimard - Paris- 2011

268 .p