قدّم الفيلسوف الفرنسي الشهير آلان فينكلكروت في عام 2009 كتابا بعنوان: «قلب ذكي» تعرّض فيه لتحليل العواطف الإنسانية. وهو يعود اليوم للتعرّض لموضوع الحب، كما تجلّى في عدد من الأعمال الروائية العالمية. ويتحدث المؤلف بالوقت نفسه عن الثقافة والأدب والفلسفة. ويبيّن في جميع الحالات ما يمكن أن يقوله الأدب لنا وكيف يساعدنا على القيام بقراءة أكثر عمقا لمسار حياتنا.

النقطة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف مفادها أن الأدب يتفوّق على علم الاجتماع وعلى الفلسفة من أجل الحديث عن هم الحب. هذا على الرغم أن كبار المفكرين والفلاسفة عرفوا الحب وكتبوا عنه. ولكنه يشكل النسغ الأساسي للأدب، وخاصة للرواية. ويُنقل عن ستندال، مؤلف رواية الأحمر والأسود الشهيرة قوله: من الصعب تأليف كتاب عن الحب ولا يكون هذا الكتاب رواية.

إن الروايات عن الحب لا تتحدث، كما يرى المؤلف، عن بناء خيالي، ولكنه قوة حقيقية وتجربته هي تجربة حقيقية بكل ما فيها من فرح وألم. وما تحدثه من تغيرات في أعماق النفس الإنسانية، هذا إلى درجة أن المحبّ لا يغدو سيّد نفسه. لكنها قوة قابلة لـ«الاستنزاف مع مرور الزمن. الأمر الذي لا يمنع أحيانا عيش معجزة استمراره».

بكل الأحوال يشرح المؤلف أنه من الصعب جدا استمرار الحب المتبادل، فهذا يتطلب تضحيات حقيقية. لكن يبقى الطرف الرابح في المعادلة هو الذي يحب. ينقل المؤلف عن الفيلسوف لوفيناس قوله: إذا لم يكن وجود الحب المتبادل ممكنا، فاتركوا لي فرصة أن أكون من يحب.

يشير المؤلف ــ الفيلسوف أن الحب شكّل باستمرار بالنسبة له ولوجوده ولفكره مسألة قديمة جدا. أما الجديد فهو مسألة استمراره. وهو يجد سنده في هذا لدى الفيلسوف الألماني كيركيغارد الذي يرى أن المسألة الجوهرية في الحب تكمن في المحافظة عليه مع مرور الزمن. وإذا لم تكن المحافظة على الحب مستحيلة. وعن الفيلسوف المادي كيركيغارد ينقل أيضا قوله: خطى الحب خفيفة مثل الرقص فوق العشب. ويشرح المؤلف أن هذا الفيلسوف الكبير وجّه نقدا شديدا للحب الرومانسي والحب الذي يبحث فقط عن الحصول على الآخر. لكنه يدافع بالمقابل عن الحب بين الزوجين الذي يقوم على الإصرار والتصميم. بالمقابل يرى المؤلف أن الإنسان الحديث ينقصه التصميم، ذلك أنه تحرر من الإرادة وانتصر المؤقت على رغبة الاستمرار. بتعبير آخر انضوى الحب تحت سيطرة إمبراطورية ما هو عابر، وحتى قول: «أحبك» لم يعد يملك قدرا كبيرا من المصداقية. وفي الوقت الذي يمثل فيه التصريح بالحب تصريحا أبديا فإن الأخلاق الحديثة، في الغرب خاصة، أدمجت مفهوم الطلاق في الحب. مثل هذا المفهوم هو الذي عبرت عنه بالتحديد السيدة دو كليف في الرواية التي تحمل عنوان: أميرة دو كليف. لقد رفضت الزواج من دوق نيمور لأنها لم تر أن حبها له يمكن أن يستمر دائما. وبعد مناقشة مواقف العديد من شخوص الروايات العديدة حيال التصميم في الحب يعلن عن موقفه هو نفسه، حيث يرى أن الحب المستدام لا يعود إلى التصميم ولكن بالأحرى إلى استمرار الدهشة لدى الآخر.

إننا نعيش اليوم ما تُطلق عليه تسمية حقبة نهاية السيطرة الرجّالية، كما جاء في عنوان كتاب لعالم الاجتماع المعروف بيير بورديو، والذي وصف فيه الحب أنه مثل جزيرة مسحورة تنتفي فيها موازين القوى الاجتماعية. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف نفسه بالقول ان المجتمع يرى بالاستمرار في الحب خطرا، ذلك أنه غير خاضع للرقابة. لكن إلى جانب التأكيد أن ما يقف عقبة أمام الحب الحقيقي لا يمكن أن يكون مصدره خارجيا وإنما هو في أعماق النفس. هناك عقبات اجتماعية ولكن يتم التعامل معها من خلال رؤية داخلية. يفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يؤكد أن الحب ينبغي أن يكون بمثابة جذوة مستمرة، وليس حدثا مفاجئا، بل هو ثمرة تعبئة يومية. الحب، كما يراه مؤلف هذا الكتاب، لا يمكن أن يكون ضربة صاعقة. من خلال هذه الرؤية يلقي المؤلف نظرة تأمّل على الواقع العاطفي الذي يعيشه بشر ما بعد الحداثة، أي من يمثّلون الإنسان الحديث. وبكل حال؛ الحب الذي يمكن أن يستمر يجده المؤلف في الأدب. إن الحب كما يبحثه المؤلف في روايات الحب لدى روائيين كبار من أمثال ميلان كونديرا وفيليب روت وغوستاف فلوبير وانغمار بيرغمان وغيرهم، هو، أي الحب، أكثر أهمية من سواه، على الأقل بالنسبة لأحد شخوص الأعمال الروائية المدروسة. إنه أهم من الوطن ومن الأخلاق ومن السلطة ومن المعرفة، كما تقول إحدى الجمل.

عصر الحداثة

يرى المؤلف أننا نعيش اليوم في عصر الحداثة، حقبة فيها الكثير من المفارقات. فمن جهة هناك الحب الذي غدا أكثر فأكثر هشاشة من حيث قدرته على الصمود. ومن جهة أخرى زادت درجة المساواة بين الرجل والمرأة مما يُفترض أن يكون حظا إضافيا من أجل جعل الحب أكثر استقرارا، وبالتالي أكثر قدرة على الاستمرار.

المؤلف في سطور

آلان فينكلكروت، فيلسوف فرنسي شهير، يعمل أستاذا للثقافة العامة في المدرسة العليا للعلوم والتقنيات بوليتكنيك، إحدى أشهر المؤسسات العلمية الفرنسية. من مؤلفاته: الفوضى العالمية الجديدة وحكمة الحب وهزيمة الفكر والإنسانية الضائعة.

الكتاب: وماذا إذا استمر

الحب؟

تأليف: آلان فينكلكورت

الناشر: ستوك، باريس

ــ 2011

الصفحات: 160 صفحة

القطع: المتوسط

Et si lصamour durait

Alain Finkielkraut

Stock - Paris- 2011

160 .p