تتوزع محتويات هذا الكتاب بين ستة فصول تتناظر مع الحقب الفلسفية الكبرى في التاريخ الإنساني، حيث تحمل بالتتالي العناوين الآتية: "الفلسفة القديمة" و"فلسفة العصور الوسطى" و"فلسفة عصر النهضة والعصر الكلاسيكي"، و"الفلسفة الحديثة" و"فلسفة القرن العشرين" وأخيرا "الفلسفة المعاصرة".
ومن الواضح أن التركيز في هذا الكتاب ينصبّ بوضوح على الفلسفة في العالم الغربي عامة منذ العصر اليوناني القديم، عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو وحتى الحقبة المعاصرة. وتتم في جميع الحالات محاولة الإجابة على مجموعة من الأسئلة المعرفية التي لا تزال موضوع نقاشات منذ القديم حتى اليوم. إنها أسئلة من نوع: ما هي الحقيقة؟ وكيف يمكن للبشر أن يعيشوا سعداء؟
مثل هذه الأسئلة وكثير غيرها هي التي طرحتها الإنسانية على نفسها على مدى التاريخ كله. وتركّز مقدمة الكتاب على القول إن العديد من المفكرين طرحوا باستمرار إجابات اعتبروها مساهمات في الحلول على الأسئلة المطروحة. وكان لتلك الإجابات موقعها في صياغة مفهومنا عن العالم. وما يفعله المساهمون في هذا الكتاب الجماعي هو بالتحديد "تقريب" الفلسفة وأفكارها العظيمة من عامة البشر بعيدا عن "تعقيدات" الأخصائيين. وعرض الحد الأقصى من الأفكار "التي تدفع على التفكير"، كما حددوا هدفهم.
ولعل أهم ميزات هذا الكتاب هو أنه يقدم للقارئ العادي، وللطلبة في مختلف مستوياتهم، مادة بسيطة وسهلة المنال يمكنها أن تشكل قاعدة أساسية لفهم مختلف التيارات الفلسفية التي عرفتها الحضارة الغربية منذ عصور "التفلسف" الأول في عهد اليونان القدماء حتى اليوم.
بالتأكيد من الصعب جدا اختزال أي مفكر إلى فكرة واحدة. والأمر يغدو أكثر صعوبة إذا كان الأمر يتعلق بتيار فلسفي عريض. لكن مثل هذه المغامرة "الصعبة" تبدو "مثمرة" في تعريفات هذا الكتاب.. هكذا مثلاً نجد أن فكر كونفوشيوس، حكيم الصين الكبير، وفلسفته يتم تقديمها من خلال جملة واحدة هي: "وضع الاستقامة والإخلاص في المرتبة الأولى". هذه الجملة يتم تقديمها على أنها "مفتاح الدخول" إلى فلسفة وفكر كونفوشيوس. وجملة أخرى يتم عبرها تقديم فكر الفيلسوف الفرنسي الشهير الذي توفي قبل عدة أعوام جاك ديريدا- وتقول الجملة: "لا توجد أية دلالة خارج النص".
وبشكل عام تتم الإشارة أن هناك عدة تيارات غربية فلسفية كبرى في مقدمتها "التيار الروحاني الذي يضم أسماء مثل أفلاطون والقديس اوغسطين وبرغسون الذين أكّدوا جميعهم أن "الروح" تسمو عن كل ما يمكن أن تدركه الحواس. إنها غير مادية وغير مرئية. أما الجسد فهو "قبر" على حد قول أفلاطون. والروح تسعى دائما للتحرر منه والسمو نحو عالم آخر.
بالمقابل لا يقبل التيار المادي الفلسفي أية حقيقة سوى المادة. وتحولات هذه المادة هي التي تحدد بالضرورة جميع الظواهر. هذا التيار وجد "ممثلين" له في الفكر الفلسفي القديم مثل ابيقور ولوكريس. وكذلك في الفكر الحديث حيث يمثّل ماركس وانجلز نموذجين بليغين له. أما الموت فيرى به الماديون المحطة النهائية التي ليس بعدها أية محطة بالنسبة للإنسان.
والتيار العقلاني يمثله ديكارت بامتياز، خاصة في جملته الشهيرة القائلة: "أنا أفكر إذاً أنا موجود". ومن رموزه أيضا هيغل وسبينوزا وغيرهما. هؤلاء الفلاسفة يرون جميعهم أن "العقل" يمثل قدرة مستقلة عن التجربة المعاشة. وبواسطة هذا العقل يصل البشر إلى تحصيل المعارف بينما لا تستطيع الحواس أن تقدّم سوى دلالات خاصة. وبالتالي لا يمكن للمعرفة التجريبية القائمة على التجربة- أن تقدّم سوى رؤية غائمة عن الحقيقة. بكل الحالات يرى الفلاسفة العقلانيون أن العقل هو "الأفضل توزيعا بين العالم".
يتم الحديث أيضا عن "تيار فلسفي إنساني" يمتد من مونتين حتى اوغست كومت ومرورا بالفيلسوف الألماني كانط. الفلاسفة الإنسانيون يرون أن الحس الإنساني "الموجود خارجنا والموجود داخلنا" هو الحقيقة الكبرى والمصدر الأكبر لجميع القيم. أما الإنسان فقد كان، وسيبقى، هو الموضوع الرئيسي للفلسفة وللعلوم المسماة "العلوم الإنسانية" من علم الاجتماع إلى علم النفس ومرورا بالتاريخ والجغرافيا البشرية ومشارب عديدة أخرى تفرّعت عن الفلسفة ثم انفصلت عنها تدريجيا.
ومن التيارات الفلسفية الحديثة يتم التعرّض بإسهاب إلى التيار الوجودي، وهو تيار حديث نسبيا في الغرب. ومن رموز هذا التيار فلاسفة مثل الألماني "كيركيغارد" والفرنسي جان بول سارتر. ويركز هؤلاء الفلاسفة على تأكيد الحرية الفردية.
وبعد استعراض الأفكار والمفكرين والتيارات الفلسفية الغربية يتم القول ان كل فيلسوف يمثل حالة فريدة ولكنهم يسعون جميعا في البحث عما يعتبرونه حقائق كونية، شاملة. هذا منذ بدايات الفكر الفلسفي الغربي لدى الإغريق والرومان وحتى فلاسفة اليوم.
الأفكار العظيمة
يقولون إن الفلسفة هي أمّ جميع المعارف، ولا شك أن هناك العديد من المؤلفات التي جعلت موضوعها "الفلسفة" وأفكارها الكبرى، من هذه الكتب عمل ظهر مؤخرا ولقي استحسانا كبيرا من النقّاد والقراء. وهو يحمل عنوان: "الجميع فلاسفة" ويبحث تحديدا في "الأفكار العظيمة" التي يقدمها المساهمون "بكل بساطة"، كما يقول العنوان
المؤلفون في سطور
مؤلفو هذا الكتاب هم مجموعة من الأخصائيين الفرنسيين بالفلسفة، بينهم عدد مهم من الأساتذة الجامعيين الذين قدموا مساهمات في المجال الفلسفي.
الكتاب: كلنا فلاسفة،
الأفكار الكبرى
بكل بساطة
تأليف: جماعي
الناشر: بريسما -
باريس- 2011
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
Tous philosophes
Collectif
Prisma - Paris- 2011
352 .p
