يناقش مؤلف الكتاب، خير الدين عبد الرحمن، جملة قضايا مفصلية في مضمون المشكلات التي تعترض روحية تقدم وتطور مجتمعاتنا العربية، من منطلق ضرورات التسلح برؤية الحوار، والي يرى وجوب خضوعه الى مجالات وشروط عدة. ويشير المؤلف الى ان أول حوار واجب هو «الحوار مع الذات» الذي يكشف عيوب الذات والمسلمات الخاطئة التي عاشت مجتمعاتنا لسنوات طويلة مقتنعة بها، فهذا الحوار أول خطوات «التغيير الإيجابي»، ثم هناك «الحوار مع الآخر». وهذا النوع من الحوار يقتضي «قبول الآخر بمبدأ الحوار»، إذ لا يمكن للحوار أن يكون حقيقياً دون تكافؤ واعتراف متبادل، وإلا تحول الحوار إملاءات واستجداء، أو احتجاجات يطلقها الطرف الأضعف. وعندما يطبق عبد الرحمن مبدأه الحواري على العلاقة بين الحضارات، يجد أن الحوار وليس الصراع، هو الذي عليه أن يسود في تفاعل الحضارات وتنافسها مع بعضها البعض. فالمشكلة مع الغرب تتمثل ليس في الحضارة الغربية، وإنما في (التيار المهيمن داخل المؤسسات الغربية)، وهذا يعني أن هناك قطاعات واسعة يمكن أن يتم معها حوار بناء بين حقوق كل حضارة، ويعطيها حقوقها المعنوية ويحترم مصالحها، بعيداً عن عقلية الهيمنة والاستقواء التي تمارس اليوم ضد العالمين العربي والإسلامي. ولذلك نجد المؤلف يشن هجوماً حاداً على مقولة «صدام الحضارات» للمفكر الأميركي هنتنغتون، ويصفها بأنها «فكرة تعبوية ذات رائحة عنصرية». ويرى ان هذا يؤدي إلى أن « الحرب على الإرهاب » التي يشنها الغرب اليوم، ليست في حقيقتها صراعا حضاريا بين الغرب والإسلام، بقدر ما هي تعبير عن سياسات استعمارية ذات أهداف عسكرية واقتصادية بات يعرفها الجميع .

كما يناقش الكتاب دور المثقفين في الحياة السياسية العربية المعاصرة، ليجد أنه دور ليس على المستوى المطلوب، نظراً لما يعانيه المثقف من حصار تمارسه السلطات على كل ما يقول ويكتب . فالمثقفون اليوم ينقسمون الى فئتين، الأولى ساكتة ولا تستطيع أن تمارس إلا دوراً محدوداً وضعيفاً، وهذه هي الفئة المناوئة للسلطات، وفئة تسرح وتمرح وتُفتح لها جميع الطرق والمنابر، وهذه فئة المصفقين والمطبلين للسلطات. غير أن المؤلف يذهب إلى أن الأمة أقوى من السلطة، لأن الولاء للأمة أقوى من الولاء للسلطان. فدور المثقف يتحدد أساساً في مقاومة « بلاط السلطان» والتيار الجارف الذي يريد مسح عقول البشر وقيمهم، وكل ذلك من أجل تحرير «الثقافي» من « السياسي »، ومحاربة الولاءات الطائفية والقبلية والتكسبي، فالمثقف هو الذي يجسد وعي الناس وضميرهم ويدافع عن حقوقهم. وفي العلاقة مع التراث فإن الحوار لا يعني أن نحتمي بالتراث وأن نتباهى به، فهذا لا يعني التنكر له أو التمرد عليه. فالحوار يعني أن لا تصادم بين التراث والمعاصرة، وأن الماضي جزء من المستقبل، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، ولذلك نجد المؤلف يدعو إلى « فتح باب الاجتهاد » والتحاور مع التراث دون أي مقدمات مسبقة، حتى أنه يجعله فرض كفاية وواجب على كل مسلم. كما يتحفظ عبد الرحمن على توطين « الحداثة »، لأنه يعتبرها نوعاً من «التغريب الثقافي» والتقليد الأعمى لطريقة الحياة الغربية، ولذلك نجده ينادي بضرورة احترام « الخصوصيات الثقافية »، وتحصين الأمة ضد الغزوات الثقافية التي تتعرض لها. لا سيما وأن حركة تطور الحضارة الغربية وإمكانية هيمنتها على كافة أنحاء العالم، أصبحت كبيرة، في ظل التطور التكنولوجي والاتصالاتي الذي يتسارع بأرقام غير مسبوقة. وعلى الرغم من كل ذلك فإن المؤلف مؤمن بأن التغييرات قادمة لا محالة، ولكن ذلك يتطلب عملاً نقدياً وثقافياً واسعاً علينا جميعاً القيام به.

بين التراث والهوية

تقوم الاطروحة العامة للكتاب، على قاعدة محورية مفادها، أن الحوار والتحليل والنقاش واستماع جميع الأطراف إلى بعضها البعض، ركائز واساسيات كفيلة بإيجاد الحل للمشكلات والأزمات التي يعيشها العرب في بدايات القرن الواحد والعشرين. فالعرب يواجهون أزمات كبرى تهدد وجودهم، ولعل من أبرز هذه الأزمات: الأنظمة اللاديمقراطية، التخلف، ضياع الهوية، الأطماع الغربية، صمت الأغلبية ولامبالاتها، انتشار ثقافة الخوف، تعثر مشاريع التحديث، تهميش غالبية الناس. ناهيك عن المشكلات التي تعود إلى عدم القدرة على إيجاد علاقة سوية بالتراث والهوية والحضارات المجاورة.

المؤلف في سطور

خير الدين عبد الرحمن، كاتب وباحث فلسطيني، ولد في عام 1945. ويحمل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية. صدر له خمسة عشر كتاباً، باللغتين العربية والإنجليزية. ولديه نحو ألف بحث ودراسة ومقالة منشورة بهاتين اللغتين، في مجلات عربية وأجنبية تبحث في القضايا الاستراتيجية والسياسية والفكرية.

الكتاب : الحوار أولاً..

الحوار دائماً

تأليف : خير الدين

عبد الرحمن

الناشر : الهيئة العامة

السورية للكتاب

- دمشق 2011

الصفحات: 256

صفحة

القطع : الكبير