يحكي ابراهيم العريس في كتابه، عن طبيعـــة القيم الفكرية والاخلاقيـــة التي يتســـلح ويقتدي بها مخرجـــون سينمائيون عالمــيون مبرزون، موضحاً مجموعة نقاط تفصيلية بهذا الشأن. ويتطرق العريس، في هذا الشان، الى الحديث عن إيليا كازان، كسينمائي، من جانب انه يبدأ عادة مع عام 1945، حين حقق أول فيلم طويل له وهو (شجرة تنمو في بروكـــلين)، نجاحاً نوعياً. ويلفــــت العــــريس الى انه، ومنذ (رعب في الشارع )- 1950، تبدل الأمر نهائياً ونجد انه سينظر إلى كازان بوصفه واحداً من كبار هوليــــوود، ففي الفيلم ابتعاد ما عن الهمّ الاجتماعي، ولكن فيه بالتأكـــيد لحظات سينمائية رائعة. وعلى رغم أنّ كـــل القضايا التي عبّر عنها في أفلامه كانت قضايا تمسّه شخصياً كمهاجر ومناضل سياسي ومثقف، ألزم نفسه بالقضايا الاجتماعية. ولعل الجديد في هذه الأفلام تمكنه فيها من إخراس صوت تردده وتساؤلاته القلقة القديمة، ومن حول الحياة الاجتماعية فيها، من حول ذلك الحلم الأميركـــي الذي يمكنه في لحظة أن ينقلب كابوســـاً، وحين سُئِل كازان عن نفسه قال:
(أنا أنتمي إلى ما يمكن اعتبــاره نزعة جوهرية، أحاول أن أتجاوز الواقع ولا يهمني أن أصور الحياة كما هي).
ويبين المؤلف ان القيمة القصوى لأفلام كورو ساوا، تنبع من قدرته على إحداث تفاعل خلاق بين مختلف هذه الرؤى، فهو كان قادراً على الربط بين الرؤى الاجتماعية والنفسية والأخلاقية في عملية ترابط وجذب لا تنتهي. ومن هنا تأتي صعوبة القيام بأي فرز مطلق في سينما كورو ساوا، لأن هذا السينمائي الكبير بدى على الدوام قادراً على ربط التأمل الاجتماعي بالتــأمل التاريخي بالتشويق البوليسي بالنظرة الأخلاقية، وصولاً إلى حسّ المغامرة الصرف.
وضمن هذا الإطار يكون في إمكاننا التساؤل حول الأفلام الكبيرة التي لجأ فيها كورو ساوا إلى استعارة أعمال أدبية وفنية معروفة، ومتابعة دقيقة لأعماله ستكشف لنا عن أنه إنما استعار شكسبير أو دوستويفسكي أو غوركي، فقط ليجعل من كلّ منهم ذريعة تمكنه من تحقيق أعماله الخاصة، أو لنقل بصورة أخرى إنها اليابان المعاصرة التي عبّر عن سقوط بنيتها الإقطاعية، تكتشف فجأة مستقبلها كلّه مكشوفاً أمامها.
ويشرح ابراهيم العريس، انه، ومع فرانسوا تروفو، يصح تماماً القول إنّ من يحبّ السينما يحبّ الحياة.. ومن يحبّ الحياة يحبّ السينما، ومن هنا لا يعود غريباً ذلك الاندماج بين السينما والحياة لدى هذا الفنان الكبير. حيث إنّ أفلامــــه جميعها، تبــدو صورة لسيرة فرانسوا تروفو الذاتية، إنه يعتبر أن الأدب والسينما صديقان لا يفترقان. ويشير المؤلف هنا، الى انه إذا كان فرانسيـــس فورد كوبولا عجز عن تحقيق ما يوازي نجاحاتـــه الماضيــــة، فإنّه تمكـــن في أفلامـــه (الصغيـــرة) الأخيرة من أن يستعيد ألق أحلامه الأولى. فعرف كيف يثوّر هوليوود وينتقل بها من البــلادة والارتباك، إلى مكان ينتج أشكالاً فنية جديدة ورؤى سينمائية مواكبة للعصر.
ويتطرق المؤلف الى حقيقة انه لن يبدو برناردو برتولوتشي، سوى مخرج حميم وخاص جدّاً يطرح أسئلته الخاصة على السينما والعالم، إلى درجة تتبدى معها أفــلامه كلّها أشبه بسيرة ذاتية متواصلة. كما وراينر فرنر فاسبندر، وفي مجمل أفلامه، لم يبتعد عن همومــه الأولى، ولا عن اهتمامه بالمرأة، وهــو، إذا كان أظهر شيئاً من الالتباس في (ليلي مارلين)، لم يكـــن هذا إلا لأن الموضوع والشخصيـــات فرضـــت ذلك التوجه عليه، هو الذي لم يكن يريد من تلك (البورتريهات) النسائية الثلاثة، أن تكون مجــرد درس في التاريخ، إذ التقط سرّ السينما وسرّ المــرأة وسر ّالحياة باكراً. ويقول العريس: (أفلا يمكننا أن نقول إنّ موقف لارس فون تراير الذي قد يكون مختفياً في ثنايا (عجقة) فيلمه -عدوّ المسيح -، غير المجدية، هو موقف .. ليس ضد المرأة أو الرجـــل بشكل خاص ؟). ويشير الى انه، ومهما يكـــن من الأمر يبقى أن هذا الفيلم يثير السجالات أكــثر، كدأب فون تراير دائماً، على آفاق تحليل وإدراك جديدة للعلاقة بين الإنسان والدين، الإنسان والأسطورة، والإنسان والحزن، تماماً مثـــل وجــــه (جيم هارموش)، حتى وإن كان ثمة مراجع أدبية وفكرية وموسيقية ومسرحية في أفلامـــه، فهو أولاً وأخيراً:
ابن السينما. كمــا انّ كل فيلم راح يحققه فرانكو المودوفار صار يعتبر حدثاً، سواء أعرض في مهرجان أم في الصــــالات في شكل مباشر:
(تكلّم معها) و(التربية السيئة). ويرتبط الفيلمـــــان بسيرتــــه الذاتية، ثم فيلمـــ (العودة) الذي قــــدم فيـــه أقسى مرافعة ضـــد الرجال ولمصلحـــــة المرأة، وكأنه هنا أراد أن يعوض عن حنان كان أظهره تجاه الرجل، العاشق تحديداً.
فيصل خرتش
ذاتية
يعتني الكتاب بسوق مجموعة رؤى وتحليلات تفصيلية، يحاول أن يثبت فيها، أن شخصية السينمائي أورسون ويلز ارتبطت دائماً بأفلامه، إلى درجة أن المرء حين يشاهد هذه الأفلام على ضوء سبر حياة هذا الرجل، يفاجأ بكم التشابه، ومع هذا لن يفوت المرء أن ينتبه إلى أن ويلز غالباً ما استقى موضوعاته، من أعمال أدبية ومسرحية ألفها آخرون، ولكن هل تراه حقاً كان أميناً في نقلها؟ وعنل يؤكد المؤلف ابراهيم العريس، انه، وعلى الإطلاق.. فأورسون ويلز عرف دائماً كيف يستحوذ على تلك الأعمال وعلى شخصياتها كي يحقق ما يمكننا أن نعتبره اليوم الأكثر ذاتية في تاريخ الفن، ما يتيح لنا أن نضع ويلز في هذا الإطار جنباً إلى جنب مع رامبرانت وفان غوغ وماكس بيكمان وهم من أقطاب الرسم الذين كانت صورهم الذاتية من أبرز ما رسموا.
المؤلف في سطور
إبراهيم العريس، باحث في التاريخ الثقافي. وصحافي وناقد سينمائي ومترجم. ولد في بيروت 1946، ودرس الإخراج السينمائي في روما، والسيناريو والنقد في لندن. يرأس حاليًا القسم السينمائي في صحيفة «الحياة». ترجم نحو أربعين كتابًا، في السينما والفلسفة والاقتصاد والنقد والتاريخ، ومن مؤلفاته: رحلة في السينما العربية، مارتن سكورسيزي: سيرة سينمائية.
الكتاب: ما وراء الشاشة
تاليف: إبراهيم العريس
الناشر: وزارة الثقافة
دمشق 2010
الصفحات: 248 صفحة
القطع: المتوسط
