«البحث عن الصحة العقلية» هو مشرب علمي تعود أصوله إلى القرن الثامن عشر، وقد شكّل منذ ذلك التاريخ أحد ميادين «الطبي» للوصول إلى قدر أكبر من الهدوء النفسي لدى الذين يعانون من حالة القلق. والأستاذ الجامعي يان دوبيغن المختص بتاريخ الطب يقدّم كتابا تحت عنوان «البحث عن الصحة العقلية».

ويشرح المؤلف، بالاعتماد على سنوات عديدة أمضاها في البحث والتقصي النظري والميداني، أنه إذا كان البحث عن «الصحة النفسية» و«الهدوء العاطفي» قد بلغ نقطة متقدمة في بدايات القرن العشرين، فإن هذا يعود بالدرجة الأولى لكون أن المجتمعات الاستهلاكية مأخوذة إلى حد كبير بـ«ثقافة الإفراط في التداوي» التي تقوم أكثر فأكثر على «مقاربة بيرقراطية» للمسائل المتعلقة بالصحة النفسية.

والتأكيد في نفس السياق أن جميع الأطراف المعنية بالصحة النفسية، وعلى رأسها الحكومات ومؤسسات التربية المعنية وشركات صناعات الأدوية ووسائل الإعلام ومجموعات التأمين قد ساهمت كلها في «تحويل» الحملة لصالح الصحة النفسية إلى حركة عامة في إطار دينامية السوق والاستهلاك. وفي سياق مثل هذه الحركة غدا الوصول إلى «الصحة النفسية» بمثابة احدى المسائل الأكثر اهتماما والأكثر ضغطا بالنسبة للمجتمعات الاستهلاكية المعنية.

وفي مواجهة تعاظم ظاهرة «القلق النفسي» وما يرافق ذلك من مختلف أشكال خلل السلوك، تزايد الحديث عن «المخدرات» كأحد أنواع العلاج «الفعالة» في معالجة ظاهرة القلق. وذلك بمعنى «الهروب» من حالة الوعي، «وعي القلق» إلى حالة الابتعاد عن الواقع. تدل الإحصائيات المقدمة أنه بالتوازي مع تزايد عدد المصابين من الأميركيين بأمراض السرطان والإصابات القلبية، وقبل كل شيء السمنة المفرطة، هناك أيضا تزايد في حالات الأمراض النفسية.

وفي عام 2004 دلّت دراسة أميركية ميدانية عن ظاهرة تفشي الأمراض النفسية أن أميركيا من أصل كل عشرة أميركيين يعاني من التبعية لحالة «إدمان» معينة، وأن حوالي مليوني أميركي يعانون من «اضطراب في الحالة النفسية، المزاج» بينما هناك 23 مليونا يمكن أن تشملهم معايير الإصابة بحالة القلق. أمام مثل هذه الأرقام يتم طرح السؤال التالي: لماذا تمثّل الأمراض النفسية أحد أكثر الأوبئة انتشارا وتعاظما اليوم؟

مثل هذا السؤال يطرح بالضرورة، كما يرى المؤلف، أسئلة أخرى على «الزمن الحاضر». ويشير إلى أن ملاحظة متأنية لتاريخ العقود والقرون الماضية تعطي الانطباع أن الطب العام، ومختلف فروعه وتخصصاته، قد عرف ازدهارا كبيرا قبل الطب النفسي. ثم إن المراكز التي ركّزت نشاطاتها في هذا الميدان النفسي، أطلقت عليها تسمية «مصحّات» عقلية.

ثم إن الطب العام حقق تقدما هائلا في الوصول إلى علاج الكثير من الأمراض المتفشية، بل وإلى شفاء الكثير منها و«استئصال» بعض الأوبئة التي كانت تفتك بالملايين. بينما لم يتم تحقيق سوى تقدم بسيط على صعيد العلاج النفسي، ودون الحديث واقعيا عن الشفاء.

لكن المؤلف يبيّن بالمقابل أن ملف العلاج النفسي والطب النفسي تمّ التعامل معه من قبل المجتمع بصورة مختلفة عن الملفات الطبية الأخرى. فالمجتمع «استثمر» في «المصحّات» التي «حجر» فيها الذين يعانون من أمراض عقلية، ويشكلون بالنتيجة خطرا عليه، وذلك قبل أن «يستثمر» في المستشفيات بفترة طويلة. بالتوازي كان الأطباء النفسانيون من أول «الأخصائيين» في مجال الصحة وكان لهم «منتدياتهم الأكاديمية» و«دورياتهم المختصّة».

المفارقة أن قدم الاهتمام الزمني بملف «الصحة النفسية» يتعارض مع تزايد أعداد الذين يعانون من اضطرابات نفسية، الأمر الذي «يشوّش» صورة الطب النفسي. لكن ما يثير الدهشة، كما يرى المؤلف، هو أن مثل هذا «التشويش» لا يحدث كجواب على زيادة أعداد الذين يعانون من «اضطرابات جسدية».

ويرى أن هذا يعود إلى ما تداوله الفكر الأوروبي منذ القرن التاسع عشر حول «الأمل» و«اليأس» اللذين ارتبطا بالمصحات العقلية، وحيث شاعت صورة «المريض» الذي لا يمكن «شفاؤه» ولا يمكن «إصلاحه». هذا على عكس المريض الجسدي الذي هناك دائما فرصة «ما» لوقف مسار إصابته أو لوقف خطورتها.

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات لمناقشة ما يسميه «مفارقات الليبرالية». وهو يشرح كيف أن مفاهيم التسامح الديمقراطي التي أسست لها الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، جعلت من الطب النفسي مجالا يتداخل مع الهيئات التشريعية والشرطة والجيش. وجرى اعتبار من يعاني من «اضطرابات نفسية» مصدر «تهديد» للنظام الاجتماعي السائد.

وتمّ التحول نحو «الخبراء» من أجل تحديد كيفية التصرّف حيال المعنى. و«المصحات العقلية» جرى بناؤها في إطار تلك «الأخلاق الجديدة». أما نزلاؤها الأوائل فقد كانوا ممن يعانون «اضطرابات خطيرة». لكن سرعان ما ازداد عددهم، مما أعطى الانطباع أن «الجنون قد ازداد».

ويشرح المؤلف أن «المصحّات العقلية» قد فشلت، مما أدى إلى شيوع «اليأس» وفتح الباب أمام علاجات جذرية مثل إدخال المريض العقلي بحالة «غيبوبة» طويلة. ولا تزال حالة «التخبّط» سائدة وتتعاظم فيما يتعلق بـ«البحث عن الصحة النفسية». وهذه هي النتيجة النهائية التي يصل إليها مؤلف الكتاب.

أرقام قياسية

الملاحظة الأولى التي يقدمها المؤلف هي أن ميدان «البحث عن الصحة النفسية» يتعاظم الاهتمام به عبر مرور الوقت، وأن كلفته بلغت مليارات الدولارات. لكن بالمقابل وباسم «الصحة النفسية» يتناول الملايين عبر العالم «الحبوب المهدئة». وأنشئت سلسلة طويلة من مراكز التحليل والعلاج النفسي. لكن رغم ذلك كله فإن جميع الإحصائيات تدل على أن بدايات هذا القرن الـ (21) قد بلغت مستوى لم تعرفه البشرية سابقا من حيث عدد الذين يعانون من القلق النفسي، بل ومن حالات الانهيار العصبي.

المؤلف في سطور

يان دوبيغن، مؤلف هذا الكتاب، قام بتدريس مادة التاريخ في العديد من الجامعات، مثل روشستر ودالاس وتورنتو. سبق له وقدّم ستة مؤلفات عن تاريخ الطب. ويساهم في العديد من الدوريات، في عدادها «المجلة التاريخية الكندية» و«دفاتر التاريخ السياسي» و«المجلة الكندية للتحليل النفسي».

الكتاب: البحث عن الصحة

النفسية

تأليف: يان دوبيغن

الناشر: جامعة كمبردج

2011

الصفحات: 264 صفحة

القطع: المتوسط

The quest for mental health

Ian Dowbiggin

Cambridge University Press- 2011

264 .p