كرّس المؤرخ الأميركي ادموند موريس ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن لكتابة سيرة حياة تيودور روزفلت. وكانت النتيجة هي عمل ضخم من ثلاثة مجلدات رأى الأول منها النور في عام 1979 تحت عنوان صعود تيودور روزفلت الذي كان قد كرّس في شبابه وقتاً طويلاً لكتابة سيناريو عن سلوك الحيوانات في منطقة داكوتا. نال ذلك الكتاب المجلّد الأول- جائزة بوليتزر الشهيرة والجائزة الأميركية للكتاب.

وبعد أن صدر المجلّد الثاني من هذه السيرة عام 2001، شهدت رفوف المكتبات الأميركية والغربية المجلّد الثالث من سيرة تيودور روزفلت تحت عنوان الكولونيل روزفلت الذي يتم توصيفه أنه أحد أكبر الرؤساء الأميركيين بتاريخ الولايات المتحدة كله.

لكن ذلك الرئيس الكبير كان طفلاً هشاً منذ ولادته. ولم تتردد أمه ميتي روزفلت في وصفه عندما نظرت إليه صباح اليوم التالي على ولادته أنه كان شبيها بسلحفاة. جدّته كان لها رأي آخر إذ رأت فيه طفلا لطيفا ومولودا جميلا لا مثيل له. بكل الحالات كان طفلاً ضعيف البنية، إذ عانى من مرض الربو الذي كان يمنعه من النوم. وينقل المؤلف عن روزفلت قوله في سيرته الذاتية: من ذكرياتي القديمة هي أن أبي كان يحملني بين ذراعيه بجسدي النحيل ويجوب بي الحجرة خلال الليل.

ذلك الطفل الذي عانى في طفولته أصبح الشاب النشيط الذي أسس جمعية لمساعدة الطفولة، حيث كان يرسل الأطفال المشرّدين في الشوارع للعمل في مزارع الغرب الأميركي. ويصفه المؤلف أنه كان جميلا وغنيا ويعرف كيف يقيم علاقات جيدة مع أصحاب الملايين مثلما مع الفقراء وبعيدا عن التصنّع في الحالتين، كما نقرأ.

على خلفية مثل تلك الصفـــات يحـــدد المؤلف القول إن تيودور روزفلــــت كان الرئيس الأميركي الوحيد الذي زادت عظمتـــه خارج إطــار البيت الأبيض. هكذا عندما قام بجـــولة في أوروبـــا عام 1910 حيث لم يكن سوى مجرّد كولونيــل احتفى فيه الذين قابلوه كأحد أشهر رجال العالم. وكان الملوك والرؤسـاء الأوروبيــون يتنافســـون من أجل استقباله في مقرّاتهم.

ولا يتردد المؤلف في القول إنه لو كان روزفلت قد فاز في حملته الانتخابية الرئاسية التي خاضها عام 1912 فربما كان أمكن تجنّب نشوب الحرب العالمية الثانية، نظرا للنفوذ الذي كان يمتلكه على الصعيد العالمي.

ويضيف المؤلف في نفس السياق، أن تيودور روزفلت الذي توفي عام 1919 وهو في الستين من عمره، ربما كان استطاع الفوز بإعادة انتخابه لفترة رئاسية ثالثة لاحتلال البيت الأبيض. وبالتالي كان بإمكانه أن يستكمل العمل الذي بدأه عام 1901 والذي كان يهدف منه أن يجعل الولايات المتحدة كنموذج للديمقراطية مع جعلها قوية عسكريا وعادلة اجتماعيا. في هذا المجلّد الثالث من سيرة حياة تيودور روزفلت يغوص المؤلف خاصة في تفاصيل السنوات العشر الأخيرة من حياته. ولكن دون التركيز كثيرا على الجانب السياسي في شخصيته، وإنما ما تتم تسميته بـالإنجازات الأوروبية ولتلك الرحلة الملحمية التي قام بها خلال عامي 1913 و1914 إلى البرازيل وتبنّيه لستة أطفال من أصول مختلفة. كذلك يتعرّض المؤلف للأفكار وللآراء الجمالية لدى روزفلت واهتمامه الشديد بـالثقافة العربية والثقافات الهندية- الأميركية.

الصورة التي يرسمها ادموند موريس للرئيس الأميركي الأسبق تيودور روزفلت الكولونيل روزفلتهي صورة رجل كوني يونيفرسال. وينقل عنه هو نفسه قوله بهذا المعنى:

لقد استفدت من الحياة مثل أي إنسان جديد عرفته لكن ذلك لم يمنع موريس من القول إن روزفلت شنّ هجومات لاذعة ضد خصومه مثل وليام هوارد تافت الذي هزمه في معركة الوصول إلى السلطة.

ولم يتردد الكولونيل عندما رفض الرئيس وودرو ويلسون دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى عامي 1915 و1916 كان روزفلت ضد الحرب قبل وقوعها- من توجيه نقد لاذع له وبطريقة لم تكن مألوفة من قبل القادة السياسيين من وزنه. ويلسون اعتبر أن خلفية غضب روزفلت تمثّلت في مثاليته المفرطة.

إن المؤلّف يكرّس الكثير من صفحات هذا الكتاب لتقصّي سيرة حياة روزفلت في إفريقيا. وهو يعود إلى كم كبير من المصادر والوثائق والرسائل التي كتبها، حيث تتم الإشارة إلى أن روزفلت كان يكتب ما بين 000 100 إلى 000 150 رسالة كل سنة. وكان يحتفظ بكمية كبيرة من الصحف ويكتب المقالات ويهتم بأدب الرحلات.. ومن الملاحظ أن المؤلف يستخدم سلسلة طويلة من الصور في هذا المجلّد. ما يؤكّده المؤلف هو أن تيودور روزفلت عرف الكثير من المشاعر المؤلمة في السنوات الأخيرة من حياته. ذلك أن تلك السنوات شهدت انحطاط قدراته الجسدية وسلطته السياسية. وعرف حالة قصوى من القلق عندما وجد نفسه في قاعة المحكمة بعد اتهامه من قبل وليام بارنس، رئيس الحزب الجمهوري في نيويورك، بـالتشهير فيه. نقرأ: كان روزفلت معروفا بدقّة ذاكرته، لكنه كان آنذاك عاجزا عن الدفاع عن نفسه. رغم ذلك خرج روزفلت منتصرا، كما في معاركه الأخرى.

سنوات الحرب كانت مريرة بالنسبة لروزفلت. اثنان من أبنائه الأربعة جُرحا فيها، وقُتل الثالث في فرنسا. ذلك الموت وضع روزفلت أمام الحقيقة، كما يقول المؤلف، ويضيف أن ردّ فعله تمثل في إحساسه أن الموت في أرض المعركة ليس مختلفا عن الموت في أي مكان آخر.

توفي روزفلت عام 1919 بالتهاب رئوي، كما يقال عامة، وبـذبحة قلبية، كما توصّل المؤلف في تحقيقات أجراها أطباء على ملفّ وفاته.

"ظلّ طفلاً"

إحدى السمات الأساسية التي يركز عليها المؤلف في دراسته لشخصية تيودور روزفلت هو أنه "ظل طفلا". ذلك حتى عندما غادر البيت الأبيض وهو في الخمسين من العمر، حيث "لمعت "برأسه فكرة الابتعاد عن الأضواء عبر القيام برحلة "سافاري" إلى أدغال إفريقيا. الرئيس المنتخب "تافت"، أي خصمه الأساسي، أعلن أسفه لرحيل روزفلت بعيدا عن الأرض الأميركية.

المؤلف في سطور

ادموند موريس، من مواليد كينيا. عمل لسنوات في لندن قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1968. ساهم بالكتابة في صحف ودوريات أميركية شهيرة مثل واشنطن بوست والنيويوركر ونيويورك تايمز. كتب سيرة حياة الرئيس الأميركي الأسبق رينالد ريغان، ولكنه مختص أساسا بسيرة حياة تيودور روزفلت.

الكتاب: الكولونيل روزفلت

تأليف: إدموند موريس

الناشر: راندوم هاوس-

نيويورك- 2010

الصفحات: 766 صفحة

القطع: المتوسط

Colonel Roosevelt

Edmund Morris

Random House- New York- 2010

766 .p