معروف عن الولايات المتحدة الأميركية أنها بلاد الهجرة بامتياز. بل إن الأمة الأميركية هي أمة من المهاجرين. لكن هذا لا يمنع واقع أن الهجرة أصبحت أحد أكبر التحديات التي يواجهها المجتمع الأميركي. والكاتبة الأميركية المهتمّة بدراسة ثقافات العالم تقدم كتاباً عن «موجة الهجرة الجديدة وتحدي أميركا» تحت عنوان رئيسي هو «مختبئ في قلب البلاد».
إن المؤلفة تقدّم في هذا الكتاب عدداً من النماذج في أميركا ممن يعيشون أوضاعاً في غاية البؤس ويتعرّضون لأسوأ أشكال العنف. ذلك مثل خوسيه سيلفا، ابن الثالثة عشرة الذي يعمل بعد عودته من المدرسة، ككثيرين غيره من أبناء جيله، في أحد المطاعم بحيث لا يعود إلى بيته سوى عند الثانية صباحاً. ونموذج آخر، إنه فرنسيسكا هيرير، التي تعمل في تنقية الخضار، ومن هنا تعرّضت لمبيدات الحشرات عندما كانت تحمل جنيناً في أحشائها. وكانت النتيجة أن المولود رأى النور من دون ذراعين ولا ساقين.
ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن خوسيه وفرنسيسكا، ليسا استثنائين، بل هناك حالات كثيرة مثلهما داخل الولايات المتحدة الأميركية. وتصل التحليلات المقدمة إلى القول إن أعداداً كبيرة من المهاجرين، خاصة الشباب منهم، يعملون في شروط تنافي كل القيم الأخلاقية. بهذا المعنى لم تعد مشكلة الهجرة «مسألة حدودية» تواجهها الولايات المتحدة مع البلدان المجاورة، خاصة المكسيك، كما كان الأمر سابقاً، بل أصبحت «مشكلة داخلية» تمتد على عموم التراب الأميركي.
وعبر الاعتماد على كمٍ كبير من المصادر المتنوّعة تشرح مؤلفة هذا الكتاب أن الوضع أصبح «لا يُحتمل» بالنسبة للمهاجرين «غير الشرعيين»، وكذلك بالنسبة للمواطنين الأميركيين أنفسهم. والتأكيد بالنتيجة أيضاً أن هناك أزمة حقيقية في أميركا هي «أزمة المهاجرين» التي تطرح مسألة خرق أبسط حقوق الإنسان. بل وتشكل هذه الأزمة «تهديداً بالنسبة لوحدة البلاد»، كما تقول المؤلفة.
وتحدد المؤلفة القول إن «المهاجرين السريين» يتواجدون في الولايات المتحدة بأعداد كبيرة. وهم «سريّون» بمعنى أنهم لم يدخلوا إلى البلاد بموجب ما تقتضيه القوانين النافذة. فئة من هؤلاء تُطلق عليهم تسمية الـ«بدون أوراق»، حيث ليس بحوزتهم جواز سفر ولا بطاقة هوية تعريف. هؤلاء بالتحديد يشكلون هدفاً للاستغلال والقبول بأية شروط يتم عرضها عليهم ومهما كانت مجحفة.
تتم الإشارة بأشكال مختلفة إلى أنه من الصعب جداً معرفة الأعداد الحقيقية للعمال المهاجرين «المختبئين» في الولايات المتحدة، ذلك أن الهجرة السرية هي بالتعريف خارج المجال الإحصائي. المؤكّد هو أنه يوجد في أميركا اليوم نسبة كبيرة من العاملين هم من فئة «المهاجرين السريين» الذين قدموا من بلدان أميركا اللاتينية المجاورة.
وفي كل مرة تصل فيها موجة من المهاجرين إلى بلد الهجرة، أي الولايات المتحدة في سياق هذا الكتاب، تشبّ المنافسة بين القادمين الجدد والمقيمين السابقين. وهي منافسة من أجل العمل والاعتراف الاجتماعي، وقبل كل شيء تأمين سبل العيش اقتصادياً. والمنافسة قد تؤدّي في حالات كثيرة إلى نزاع حقيقي.
ومثل أي نزاع يخضع إلى موازين القوى القائمة. على القادمين الجدد من المهاجرين التأقلم مع أوضاع ليسوا مسؤولين أصلاً عن قيامها. هنا يضاف إلى العنف والشروط المنافية للمنظومة الأخلاقية التي يمارسها أرباب العمل، عنف آخر مصدره في بعض الأحيان مهاجرون سابقون يعملون على استغلال قوة عمل المهاجرين الجدد الذين عليهم التأقلم مع الشروط التي يتم فرضها عليهم.
إن الواقع الأميركي للهجرة اليوم يبدو بعيداً جداً، عن إمكانية الوصول إلى عملية «تمثّل» حقيقي للمهاجرين الجدد في النسيج الاجتماعي الأميركي. ذلك أن «المصالحة الثقافية» المطلوبة تفتقر إلى شروط تحققها. تتم الإشارة هنا أن «التمثّل» المقصود هو «مصالحة ثقافية» تسمح لمختلف المجموعات بالمحافظة على ثقافاتها بما أخذته من مجتمع الهجرة والمساهمة في ثقافة هذا المجتمع.
يتم في هذا السياق أيضاً القول إن "«المهاجرين السريين» في الولايات المتحدة الأميركية يشكلون فئة من «الهامشيين» الذين «لا يندمجون» و«لا يُسمح لهم أصلاً بالاندماج». بكل الأحوال تصطدم خيارات «الإنسان الذي يعيش على الهامش» بـ«حواجز اجتماعية» لا يمكنه تخطيها بسهولة.
هذا الكتاب يشكل مساهمة حقيقية في الجدل الدائر في الولايات المتحدة حول «الهجرة غير المشروعة». وتركز مؤلفته على الجوانب الإنسانية للظاهرة وعلى النتائج الإنسانية أيضاً للإجابات التي تقدمها الحكومة الأميركية عليها. هذا مع التعرّض للمسائل القانونية ولتداعياتها السياسية وللردود الاجتماعية التي يواجه بها الأميركيون والمهاجرون السابقون «المهاجرون السريون».
ولا تتردد المؤلفة في التأكيد أن «الهجرة السرية» تشكل مسألة جوهرية في الولايات المتحدة اليوم، وأكثر جوهرية بالنسبة للغد القريب.
مهاجر باستمرار
أي الإنسان الهامشي، لا يجد جذوراً له في أية مجموعة، إنه «مهاجر باستمرار» و«مقتلع من جذوره». ويأتي العنف والاستغلال الاجتماعي، غير الإنساني أحياناً، ليزيد من «اقتلاعه».
المؤلفة في سطور
نانسي براون ديغس، كاتبة أميركية، أولت اهتمامها لثقافات العالم المختلفة وجابت العديد من مناطق العالم للتعرف إلى مختلف الحضارات، حائزة على شهادة التأهيل العليا في مجال العلوم الإنسانية.
الكتاب: مختبئ في قلب
البلاد، موجة
الهجرة الجديدة
وتحدي أميركا
تأليف: نانسي براون
ديغس
الناشر: جامعة ميتشيغان
- 2011
الصفحات: 280
صفحة
القطع: المتوسط
Hidden in the heartland
Nancy Brown Diggs
Michigan State University Press- 2011
280.p
