نابليون بونابرت هو أحد أعظم الشخصيات السياسيةالفرنسية، بل والعالمية خلال التاريخ الحديث. ومن الأمثلة الشائعة في فرنسا واحد يقول إن «جميع المجانين يعتبرون أنفسهم نابليون». والباحثة الفرنسية بالتاريخ الثقافي لور مورا تخص «الرجل الذي يعتبر نفسه نابليون» بكتاب يحمل هذا العنوان.تطرح المؤلفة بداية السؤال التالي: هل يوجد في سجلات المصحّات النفسية حالات كثيرة تبرهن على حقيقة هذيان التشبّه بالإمبراطور «نابليون»، وإذا صحّ ذلك فما دلالاته التاريخية؟ وتشير إلى أنه انطلاقاً من هذا السؤال نشأت فكرة الكتاب ومحاولة الإجابة عن تأثير الأحداث التاريخية في ظاهرة الهذيان. وأبعد منها في الجنون. وأيضاً محاولة معرفة العلاقة بين الحجر في مصحة نفسية وبين السجن السياسي. هذه العلاقة تبحثها المؤلفة في فصل من الكتاب يحمل عنوان: «مصحة نفسية أم سجن سياسي؟»
وتشير المؤلفة إلى أن هذا الكتاب «الرجل الذي كان يعتبر نفسه نابليون» هو ثمرة البحث الدؤوب على مدى ثلاث سنوات كاملة في «الأراشيف». والعودة إلى الثورة الفرنسية وتحديداً إلى عام 1793 أو «كيف تفقد رأسك»، كما يقول عنوان الفصل الذي تتحدث فيه المؤلفة عن «إرث الجنون» الذي تركته تلك الثورة.
وتؤكد المؤلفة أنه في كل مصحّ نفسي، عقلي، كان هناك أحدهم يتصوّر نفسه نابليون. وهذا ليس مجرد قول شائع ولكنه تعبير عن «وقائع تاريخية»، ففي عام 1814 كان يوجد في مصح «شارونتون» بالقرب من باريس «خمسة أباطرة- أي نزلاء كانوا يعتبرون أنفسهم نابليون»، وغداة إعادة رفات نابليون الأول عام 1840 استقبل مدير مصحة «مستشفى بيسيتر»، القريب من باريس أيضاً، أربعة عشر «إمبراطوراً جديداً»، أي أربعة عشر نزيلاً يعتبر كل منهم نفسه «إمبراطوراً»..لكن لماذا نابليون وليس لويس الرابع عشر، الملك الشمس، كما شاعت تسميته، أو شارلمان؟ تسأل المؤلفة. ومن خلال البحث عن الإجابة في ملفات «مراكز حجز المختلّين عقلياً» في المنطقة الباريسية تكشف عن الكيفية التي يولّد فيها عدم الاستقرار السياسي حالة من عدم الاستقرار الذهني وكيف أن «الهذيان الذي يمثّل نوعاً من حاجز حماية صاحبه من الانهيار، يفصح عن الكثير حول العنف السياسي»، كما نقرأ.
وتعود المؤلفة إلى تاريخ 21 يناير- كانون الثاني 1793. في ذلك اليوم كان الطبيب الفرنسي فيليب بينيل، مؤسس الطب النفساني الفرنسي، مكلّفاً بحضور عملية إعدام لويس كابيت، وكتب في نفس اليوم في رسالة لأخيه: «يؤسفني جداً أنني مرغم على حضور عملية الإعدام مع بقية زملائي. إن الألم يعتصر قلبي ويعتريني حزن دفين». وتشير المؤلفة إلى أن الطبيب المعني كان من المؤمنين بـ«مبادئ الثورة» ولم يكن أبداً من أنصار النظام البائد.
لكن لماذا نابليون بالتحديد؟
شاعت لدى الذين يعانون من ظاهرة الهذيان اختيارهم لشخصية نابليون. هذا ما تفسره المؤلفة بالقول إن هذا الإمبراطور يمثل بامتياز رمز السيطرة والقوة الحديثة. وفضلاً عن هذا يمتلك سمة استثنائية يتفرّد فيها عن الأباطرة الذين سبقوه والذين جاؤوا بعده وهو أنه لم يكن ينحدر من أسرة ملكية ولكنه مثّل شخصية «المغتصب» للسلطة. إنه ذلك «العرّيف» الكورسيكي الذي استطاع أن يصل «وحده»، بفضل موهبته وعبقريته، إلى قيادة أوروبا كلها. إن شرعيته ليست «موروثة» ولكن «مكتسبة» بواسطة «السلاح والعبقرية السياسية». وتشرح المؤلفة أن «السلاح والعبقرية السياسية»، يغتصب إذاً شخصية «مغتصب» (...)، وبالتالي يشبه نفسه بحاكم كان هو نفسه مصاباً بجنون العظمة. وتنقل المؤلفة عن الطبيب النفساني بينيل أنه رأى نابليون عند عودته من «جزيرة البي»، حيث سأله الإمبراطور ما إذا كان عدد المجانين قد ازداد فأجابه: «كلا، لكنني كنت أعتقد في قرارة نفسي أن العباقرة الكبار وأصحاب الطموح الكبير لم يكونوا خالين من لوثة ما من الجنون»، كما أشار.
وتشرح المؤلفة أن الأغلبية الساحقة من أولئك الذين كانوا يعانون من الهذيان في «مصح سانت آن القديسة آن» في باريس، «كان هذيانهم له علاقة بالحروب». ولا عجب إذاً أن يعتبر البعض منهم، أنهم يسكنون جلد نابليون.
المؤلفة في سطور
لور مورا، باحثة فرنسية مختصّة بالتاريخ الثقافي. تعمل أستاذة للدراسات الفرنسية والمكتوبة باللغة الفرنسية في جامعة كاليفورنيا. من مؤلفاتها: «نزل الدكتور بلانش، تاريخ ملجأ للعجزة وتاريخ نزلائه»، و«تاريخ الجنس الثالث»،و«الطب النفسي والمقصلة».
الكتاب: الرجل الذي كان
يعتبر نفسه نابليون
تأليف: لور مورا
الناشر: غاليمار
باريس 2011
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
Lصhomme qui se prenait pour Napoléon
Laure Murat
Gallimard - Paris- 2011
384 p .
