يبلغ شارل ازنافور، المطرب الفرنسي المعروف، من العمر 87 عاماً، لكنه لا يزال في غاية النشاط ومشاريعه الفنيّة، وفي عالم إنتاج زيت الزيتون كثيرة. هذا بعض ما يسرّ به في كتابه الصادر أخيراً تحت عنوان: «من باب إلى آخر».
لكن هل هذا النشاط هو بدافع المال؟ كما يسأله البعض.
ويجيب: «لم يكن المال أبداً هو محرّك حياتي. وعندما كان أحدهم يطلب مني لم أكن أتردد في إقراضه له دون أن يعود المبلغ أبداً. وتبلغ ديوني على صعيد العالم كله ثلاثة ملايين دولار».
وعلى السؤال التالي: ألا تخشى أن تكون الجولة الفنية التي قد تقوم بها أو الأسطوانة التي تعدّها نوعا من الإضافة التي لا تضيف شيئا هاما؟ يجيب: «الأسطوانة الزائدة هي تلك التي لا تجد من يشتريها. وإذا لم يتم بيعها فهذا يعني أنها لم تثر اهتمام الجمهور. ما يهم ليس أن يكون صوتي جيداً أو سيئاً بل هو أن تكون نصوصي مثيرة للاهتمام. بالنسبة للجولة الفنية الزائدة: لا أعرف، لكن عندما يكون هناك مسارا فنيا مثل مساري تكون صالات المستمعين مملوءة آلياً».
التوصيف الذي يقدمه شارل ازنافور لهذا الكتاب هو أنه «دفتر مسودّة كبير» وهو يتحدث فيه عن كل الأمور وعن تفاصيل حياته الصغيرة والكبيرة. هكذا يروي مثلاً كيف لاحظ ذات صباح نقاطاً سمراء اللون على يديه. كان ذلك بمثابة الإعلان الصريح عن قدوم الشيخوخة وعن مرور الزمن. «الزمن، الزمن، الزمن ولا شيء غير ذلك»، كما تقول إحدى أغنياته.
لكن الشيخوخة تعني الاقتراب من النهاية، من الموت. فماذا عن الموت لدى شارل ازنافور؟ هنا يجيب أيضا: "أفكّر كثيرا بالموت، ولا أعرف إذا كنت أخاف منه. لكنني أعرف أنني سوف أحنّ كثيرا للحياة. اليوم خفّت حاسة السمع لدي قليلا، لكنني أتأقلم تماما مع هذا التحول. المسألة التي تثير الرعب لدي هو أن أفقد نعمة البصر. بالنسبة لي، وبالتحديد الدقيق، الموت يعني فقدان البصر أولاً".يعيش شارل ازنافور رسميا في سويسرا على ضفاف بحيرة "ليمان" الشهيرة. وهو يؤكد أن المكان المحيط فيه ينعش لديه رغبة الحياة. ذلك أن الرغبة يمكن أن تبقى ولو ضعفت العضلات وهجم مرض "الروماتزم" على اليدين وخفّ السمع. لكن عيشه في سويسرا لم يخفف أبدا إعجابه بفرنسا "البلد الرائع"، كما يصفها. وهي البلد التي وُلد في عاصمتها عام 1924 عندما كان والداه ينتظران تأشيرة الخروج فيزا- للذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية. إنه إذاً "نتاج" الهجرة من أب أرمني وأم تركية.
بدأ شارل ازنافور مساره الفني يلعب أدوارا صغيرة كـ"كومبارس". وفي عام 1941 تعرّف صدفة على اديت بياف وشارل ترينيت الذي كان له تأثيره على جيل كامل من بينهم موضوع هذه السيرة. وبعد أن أمضى شارل ازنافور سنوات في أميركا عاد إلى فرنسا حيث اشتهر في العالم الباريسي كـ"مؤلف أغاني" ثم كـ"مطرب". انطلق بعد ذلك في عالم الغناء، كمؤلف ومطرب، وكذلك في عالم السينما. واهتم بالرسم والكتابة. هذه المشارب كلها تجد مكانها في كتاب "من باب إلى آخر".
ما يؤكده شارل ازنافور هو أنه "من الظلام إلى النور لم تكن هناك سوى خطوة. تلك الخطوة تلخص قصة حياتي كلها". ويسأل: "هل سبق ولاحظتم بابا"؟ هناك أبواب خفيفة وأبواب ثقيلة الوزن، وأبواب منخفضة وعالية وسميكة قد نلامسها مرورا وقد نصطدم بها، لكن حياتنا ليس لها سوى هدف واحد هو أن نجتازها. بعضها تفتح لنا طريق الفرح وأخرى هي دروس للتعاسة".
وبعد الحديث عن الأبواب التي "تفتحها" أو "تغلقها" الحياة بكل الاتجاهات، يقول ازنافور: "لقد عشت الحياة من عتبة إلى أخرى تاركا كهوف الجهل نحو شعاع المعرفة. وتاركا الكواليس للدخول إلى مقدمة خشبة المسرح. وتاركا الفقر إلى خارجه". هكذا عاش شارل ازنافور طيلة حياته، كما يقول، في حالة "انتقال" من "وضع" إلى "آخر" لكن دون الإحساس أبدا أنه حصل على كل ما يريد. ذلك أن "رغبته" بطرق أبواب أخرى كانت دائما أقوى.
ويعترف أزنافور أنه كان قد أعلن في بداية عقد الخمسينات من القرن الماضي لـ"ناشره الموسيقي" أنه يريد التوقّف عن التأليف والغناء إذ "لا يملك صوتا جميلا ولا ملامح جسدية جذابة ولا حظّا قد يساعده في التقدم". أصرّ الناشر "راوول بروتون" على ضرورة استمراره في كتابة الأغاني، حيث أخذ شارل ازنافور يكتب للآخرين من أمثال "بياف" و"غريغو" و"بيكو" وغيرهم. وخلال سنوات قليلة أصبحت فرنسا كلها "عاشقة لازنافور" ولم تكن هناك أية حفلة غنائية ليس فيها شيئاً من كتابة ازنافور.
ويحكي ازنافور في ذكرياته كيف أصرّ على تلقّي دروس في الغناء وقام بعملية تجميل بناء على نصيحة، بل أمر، اديت بياف، لـ"تصغير حجم أنفه". ثم وصل النجاح والشهرة في باريس ولندن وريو ونيويورك وموسكو. ولأزنافور فيها كلها "ذكريات" يرويها في هذا الكتاب.
المؤلف في سطور
شارل ازنافور، عميد الأغنية الفرنسية وأحد أشهر الفنانين في عالم الغناء خلال الخمسين سنة الأخيرة. سبق له وقدّم الجزء الأول من ذكرياته تحت عنوان: «بصوت منخفض».
الكتاب: من باب إلى آخر
تأليف: شارل ازنافور
الناشر: دونكيشوت
باريس 2011
الصفحات: 168 صفحة
القطع : المتوسط
Dصune porte à lصautre
Charles Aznavour
Don Quichotte - Paris- 2011
168 p.
