يرصد الكتاب، ماهية وجماليات الصور الاولية في حياة العاصمة السورية دمشق، بمختلف تفاصيلها، ثمَّ يعرض كيف تطوَّرت الحياة وامتد عمران دمشق خارج السور، وأصبح لكل حي من أحياء المدينة «مسحّراتيً» خاص بها، بل قُسِّم الحي إلى «مطافات» (مناطق)؛ لكل منها مسحِّرها، حتى زاد عدد مسحِّري دمشق عن المئة في أواسط القرن العشرين. ويوضح المؤلف منير كيال ان حرفة التسحير كانت تنحصر في أسر دمشقية توارثت التسحير أبا عن جد.
ويشرح كيال كيف انه حين كان يقرِّر الشاب الدمشقي الزواج يحتاج إلى (إذن نامة)، وهو طلب الإذن من المحكمة الشرعية بالزواج، وكانوا يعلقون الاذن في بهو المحكمة مدة خمسة عشر يوماً، والغرض من ذلك بيان الاعتراض من أي كان، على ذلك الزواج. ويتطرق المؤلف الى ما كان يسمى بـ «بوابة الله»، وهو اسم كان يُطلق على مدخل مدينة دمشق من جهة الجنوب، لكونه يشكل بداية الطريق الذي يسلكه الحج الشامي إلى الديار المقدسة في مكة والمدينة، وكان يطلق عليه اسم «باب الموت»، ذلك أن الخارجين منه إلى الديار المقدسة قلَّما عادوا سالمين. كما يعرفنا على انه كانت تصل بين مدينة دمشق و«بوابة الله»، أرض حصباء تمتد نحو ثلاثة كيلومترات، وكانوا يطلقون عليها اسم «ميدان الحصا». وهو الطريق نفسه الذي كان يرتاده السلاطين والأمراء لدخول دمشق، أو مغادرتها وفقاً لتقاليد ومراسم خاصة.
ثمَّ يصف كيال جامع (يلبُغا اليحياوي) الذي بني في 1264م، إذ يعتبره من أكبر جوامع دمشق. وهذا الجامع كان من أشهر جوامع دمشق في اتساعه وهندسته المعمارية، بما ضم من عمد وزخارف وأفانين العمارة العربية الإسلامية التي تميزت بها مدرسة دمشق المعمارية، وكان يقع على ضفة نهر بردى إلى الجهة الشمالية من ساحة المرجة.
ويحكي كيال عن (حبس الميت)، الذي هو موضع أمام دار القاضي، كان يوضع فيه نعش الميت المدين، فلا يوارى الثرى حتى تبرأ ذمته من الدين، أو يتعهد أحد بدفع دينه للآخرين. وقد أطلق هذا الاسم على المدرسة الناصرية الجوانية التي أنشأها الملك الناصر صلاح الدين سنة 654 هجرية بزقاق فرفور، نسبة للقاضي شهاب الدين أحمد بن فرفور. ويتحدث كيال عن (حمَّام النفاس) وهو حمَّام خاص بالمرأة النفساء، ويكون اعتباراً من اليوم السابع للولادة، وحتى اليوم الواحد والعشرين. ومن النفساء يتحول المؤلف إلى (السيف الدمشقي)، وهو السيف الذي تُفاخر دمشق بصنعه، والذي كان مضرب مثل في بقاع الأرض، بشكله ونصله وغمده ومقبضه. وكان نصله من الفولاذ المبولد المحمي من الصدأ، وهذا النصل محلى بطريقة التكفيت أو التطعيم بالذهب والفضة، على شكل زخارف نباتية وخط عربي وكتابات على غاية من الإبداع والدقة، وهو ما أطلق عليه الباحثون اسم «دامسيكناج » نسبة إلى دمشق. وكان من أبرز من أبدع في صناعة هذا السيف أسد الدين الدمشقي، وتلميذه من بعده الذي كان يوقع باسم «المعلم أسد الدين».
بعدها يذهب كيال إلى (شيخ الكار)، إذ كان لكل حرفة شيخ ينضوي تحت لوائه معلمو الحرفة «الكار». أما الصنَّاع والأجراء فكان كل واحد منهم يتبع المعلم صاحب العمل، ولا يخرج أحدهم عن طوع معلمه في إطار وأصول العمل. ويتحول مؤلف الكتاب الى التحدث عن (الصنجق)، حيث كان أوَّل أعمال الحج الإشعار بانطلاق القافلة، وذلك بوضع الصنجق السلطاني على الباب الأوسط الذي تحت قبة النسر بالجامع الأموي بدمشق.
والصنجق في الأصل هو علم النبي (ص) وكان يسمى العقاب، وكان يحتفظ به في دمشق ويرفعونه أمام قافلة الحجيج، وينشرونه إذا دعا داعي الجهاد. وقد انتقل الصنجق إلى الأمويين ثمَّ إلى العباسيين، ومن ثمَّ إلى الفاطميين في القاهرة. وأعيد إلى دمشق على يد السلطان سليم الأول بعد القضاء على دولة المماليك، ومن ثمَّ نقل الصنجق إلى استانبول بفعل الصدر الأعظم سنان باشا، ووضع تحت حماية «كزلار أغاسي» في غرفة خاصة من الباب العالي، أطلق عليها «خرق شريف أوده سي» ولم يسمح بلمسه إلا لقلة قليلة.
المؤلف في سطور
يعنى الكاتب السوري، منير كيال، بالأبحاث والدراسات المتخصصة في مجال التراث الشعبي.صدر له مجموعة كتب، منها: فنون وصناعات دمشقية 1962، الحمَّامات الدمشقية 1986، معجم درر الكلام في أمثال أهل الشام 1993، محمل الحج الشامي 2006، كنايات الشوام 2008.
الكتاب: صور دمشقية
تأليف: منير كيال
الناشر: الهيئة العامة
السورية للكتاب
دمشق 2011
الصفحات: 160 صفحة
القطع: الكبير
