خسر الاتحاد السوفييتي «السابق» الحرب الباردة التي تواجه فيها على رأس الكتلة الاشتراكية مع الولايات المتحدة الأميركية زعيمة العالم الرأسمالي بدون منازع لعدة عقود بعد الحرب العالمية الثانية. والأستاذة الجامعية الأميركية كريستين روت آي تعود لأسباب «الهزيمة السوفييتية» في الحرب الباردة من زاوية «الجبهة الاجتماعية والثقافية». في كتاب يحمل عنوان «موسكو، أفضل أوقات اهتمام الجمهور». وتحاول المؤلفة فيه دراسة الكيفية التي بنى فيها الاتحاد السوفييتي امبراطوريته الإعلامية التي عرفت الهزيمة في الحرب الباردة الثقافية بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي.
إن المؤلفة تعود إلى توصيف وتحليل آليات عمل وسائل الإعلام السوفييتية في الحقبة ما بعد الستالينية بصورة خاصة. ومن خلال دراسة السينما السوفييتية والتلفزيون السوفييتي والإذاعات السوفييتية تحاول المؤلفة رسم الملامح الأساسية للعالم الذي كان يعيش فيه المواطن السوفييتي البسيط.
بهذا المعنى يمثل الكتاب نوعا من التاريخ التجريبي الزاخر بالتحليلات الاجتماعية والثقافية، بهدف الوصول إلى فهم أفضل للاتحاد السوفييتي بعد وفاة ستالين، وفيما هو أبعد من ذلك فهم أفضل للاشتراكية السوفييتية خلال سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي «العشرين». ذلك أن الفترة المدروسة تغطي خاصة العقود الثلاثة المذكورة.
وتروي المؤلفة أنه عندما قام نيكيتا خروشوف، الذي كان قد خلف ستالين على رئاسة الاتحاد السوفييتي، بزيارة لهوليود، عاصمة السينما الأميركية، عام 1959 حيث صادف مجموعة من الممثلات بثيابهن القصيرة. فما كان منه سوى أن صرّح بفجاجة واضحة: إن الثقافة السوفييتية سوف تطيح قريبا بالسياسة الجماهيرية السائدة في الغرب التي تجسّدها هوليود بامتياز، والتي ستنتهي إلى مزبلة التاريخ، حسب رأيه.
وتشرح المؤلفة أن نبوءة خروشوف لم تتحقق أبدا في أرض الواقع، بل إنها فشلت تماما. هذا ما تدل عليه الصورة التي ترسمها للصناعة الإعلامية السوفييتية عامة. كما تدل عليها وقائع الحياة اليومية التي كان يعيشها المستهلك السوفييتي. تلك الصورة والوقائع تذهب في التحليلات المقدمة، بالاتجاه المعاكس لطموح خروشوف.
ذلك أن جميع وسائل الإعلام السوفييتية كانت خاضعة بشكل مباشر لرقابة الدولة التي كانت تمتلك بالوقت نفسه جميع المنشآت التي تقوم بالإنتاج. وجميع العاملين في قطاع الإعلام بفروعه المختلفة كانوا موظفين عند الدولة. يضاف إلى ذلك واقع أن الرقابة لم تكن غائبة عن كل النشاطات في ذلك القطاع.
بالمقابل كان لذلك النجاح السوفييتي نتائجه المعقّدة وغير المنتظرة، كما تشرح المؤلفة، ذلك مع ظهور عوامل مثل تفكك اللحمة العائلية وشيوع ثقافة الاستهلاك وتعاظم الانجذاب نحو وسائل الإعلام الخارجية وبروز الطموحات المهنية. هذه العوامل كلها، وعدد غيرها، ساهمت فيما تسميه المؤلفة تحوّل امبراطورية وسائل الإعلام السوفييتية من الداخل في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واستمرت لعدة عقود.
بالتزامن مع ذلك طرأ نوع من التبدل على الواقع الإعلامي السوفييتي الذي كان سائدا، وحيث كان صوت الكرملين موجودا في كل مكان في بلاد السوفييت. وكان النظام السوفييتي قد حرص خلال العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية وتحديدا بعد وفاة ستالين عام 1953، على التشويش على برامج البث باللغة الروسية في الـ«بي بي سي» وصوت أميركا وراديو ليبرتي. مع ذلك كتب المؤرخ الروسي سيرجي ايفانوف: ربما كنا نريد الاستماع حتى إلى إذاعة الفاتيكان لمعرفة ما يجري في الاتحاد السوفييتي. وتنتهي المؤلفة في المحصلة إلى نتيجة مفادها أنه في سنوات السبعينات من القرن الماضي كانت الامبراطورية الإعلامية السوفييتية، وفيما يبتعد كثيرا عن الأحلام الأكثر جنونا لمؤسسيها، هي بصدد النكوص بالوعود التي أطلقتها الثقافة السوفييتية ذات البعد الواحد. باختصار كانت بدأت ولوج سبيل الهزيمة في الحرب الباردة الثقافية.
المؤلفة في سطور
كريستين جوي روت آي هي أستاذة التاريخ في المعهد الملكي التابع لجامعة نيويورك، وهي مختصة بالشؤون السلافية وبالدراسات الثقافية الأوروبية بشكل خاص وبالدراسات الثقافية الأوروبية بشكل عام، مؤرخة لتاريخ الاتحاد السوفييتي.
الكتاب: موسكو أفضل
أوقات اهتمام
الجمهور
تأليف: كريستين
جوي روت آي
الناشر: جامعة كورنيل
2011
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
Moscow, prime time
Kristin Joy Roth-Ey
Cornell University Press- 2011
320 p.
