أحداث الماضي تضيء الكثير عما يعرفه الواقع الحاضر. وبهذا المعنى يقوم عدد من الباحثين تحت إشراف "حاكان يافوز"، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "اوتا"، بتقديم كتاب تحت عنوان "الدبلوماسية والحرب"، وذلك عبر تحليل الأسباب والسياق السياسي الاقتصادي والدبلوماسي الذي رافق نشوب الحرب الروسية-التركية التي دارت خلال عامين 1877 و1878 وكذلك من خلال "معاهدة برلين" الشهيرة التي كان لها دورها في صياغة التاريخ اللاحق.
وتتعرّض مساهمات هذا الكتاب للبحث فيما يسمى "التوازن الأوروبي" بالمقارنة مع "التوازن الآسيوي". وفي الحالتين على ضوء "توازن السلطة". هذا مع تكريس فصل كامل للبحث في "دبلوماسية بسمارك حيال الإمبراطورية العثمانية". كذلك يركز أحد الفصول على دراسة "المسألة العثمانية والأصول البعيدة للتطهير العرقي الحديث ومذابح الإبادة ونزعة التدخل الإنساني في أوروبا والشرق الأوسط". هذه المواضيع كلها يتم جمعها نحو عنوان واحد للقسم الأول وهو: "الدبلوماسية الأوروبية وتهميش الإمبراطورية العثمانية".
يحمل القسم الثاني عنوان: "بروز منظومة دول البلقان" ويتم تكريس الفصل الأول منه لـ"مقاومة المسلمين والمسيحيين"، وفصل عن تأسيس الإدارة المحلية الصربية" ثم مسألة البوسنة والهرسك". وفصل أخير في هذا القسم عن "هشاشة الحدود التي أقرّها مؤتمر برلين في منطقة البلقان".
عنوان القسم الثالث هو "بداية النهاية شرق الأناضول" حيث تحتل "المذابح التي تعرّض لها الأرمن" مكانة مركزية في البحث، بينما يتعرّض القسم الرابع والأخير لـ"المسألة الاثنية-الدينية للتصفية العرقية وتهجير السكان في منطقتي البلقان والقوقاز". أما الصفحات الختامية لهذا الكتاب فتحمل عنوان: "على طريق العودة من برلين".الحرب الروسية التركية لعامي 1877-1878 عرفت المواجهة بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الروسية وبعض الدول السلافية المحيطة بها، أي رومانيا وصربيا والجبل الأسود "مونتونغرو" بالتحديد. وقد حدثت المواجهة في السياق الذي تلا وصول السلطان عبد الحميد الثاني إلى العرش في القسطنطينية. وبعد اندلاع الحرب توصلت الدبلوماسية الأوروبية إلى عقد "هدنة" سرعان ما خرقتها صربيا فاتجهت القوات العثمانية نحو بلغراد، حيث لم يوقفها سوى إنذار روسي بالتدخل. وفي عام 1877 (شهر أبريل) أعلنت روسيا الحرب على تركيا.
عرفت تلك الحرب تحالفات عديدة على جبهتي البلقان والقوقاز. ثم وقّع المتحاربون معاهدة "سان ستيفانو" عام 1878 حيث اعترف السلطان العثماني بالتفوق الروسي ورجحان دوره في المناطق ذات الأغلبية السلافية والأرثوذكسية. رأت الدبلوماسية العثمانية أن تلك المعاهدة "تعرّض توازن أوروبا للخطر". فزيادة قوة روسيا بدت مفرطة بمواجهة الإمبراطورية العثمانية "المريضة". هذا فضلاً عن تهديد "طرق الحرير". فكان "مؤتمر برلين" عندما دعا بسمارك إلى برلين القوى الأوروبية والباب العالي العثماني للتفاوض حول اتفاق سلام جديد كرسته معاهدة برلين التي وضعت حدا نهائيا للحرب.
إن الحرب الروسية-التركية وما ترتب عليها، خاصة توقيع معاهدة برلين عام 1878 كانت هي موضوع المؤتمر الذي نظمته جامعة "يوتا"في عام 2010. ومساهمات ذلك المؤتمر هي التي تشكّل المادة الرئيسية لهذا الكتاب. ذلك على أساس أن الدبلوماسية الأوروبية وتوجهاتها العدائية للإمبراطورية العثمانية ومعاهدة برلين هي التي قادت كلها إلى ما يُعرف بالحروب البلقانية خلال عامي 1912 و1913 وبالتالي إلى نشوب الحرب العالمية الأولى خلال سنوات 1914-1918. وهذا ما يفسر اختيار عنوان "الدبلوماسية والحرب" لهذا العمل الجماعي.
أما الخلفية التي قامت عليها تلك الدبلوماسية التي قادت إلى الحرب فيحددها المساهمون عامة في واقع المنافسات بين مختلف الدول الأوروبية. هكذا تكمن أسباب الحرب العالمية الأولى في الأطماع الاستعمارية والمصالح الاقتصادية ومحاولات مدّ النفوذ التي عرفتها نهاية القرن التاسع عشر وكانت الحرب الروسية-التركية إحدى حلقاتها الرئيسية.
مؤتمر برلين
تتفق مساهمات هذا الكتاب على القول إنه بعد الحرب الروسية-التركية لعامي 1877 وَ1878 جرى توقيع الميثاق النهائي لمؤتمر برلين عام (َ1878) من قبل بريطانيا والإمبراطورية النمساوية-الهنغارية وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والإمبراطورية العثمانية. وقد أقرّ ذلك الميثاق الاستقلال الكامل لإمارات رومانيا وصربيا ومونتونغرو (الجبل الأسود) والاستقلال الذاتي لبلغاريا. الدول الثلاث التي استقلّت حديثا أعلنت نفسها لاحقا كممالك.
المؤلف في سطور
يعمل حاكان يافوز أستاذا للعلوم السياسية في جامعة "يوتا". قدّم العديد من الدراسات والمقالات عن تاريخ تركيا الحديثة. من كتبه: "صعود تركيا الجديدة".
الكتاب: الحرب
والدبلوماسية
تأليف: حاكان يافوز
وآخرون
الناشر: جامعة اوتا
2011
الصفحات: 616 صفحة
القطع: المتوسط
War and diplomacy
Hakan Yavuz andة
University of Utah Press- 2011
616 p .
